أحدث الأخبار
الأربعاء 22 أيار/مايو 2019
الموت بالغلط… !!
بقلم :  سهيل كيوان  ... 14.03.2019

«هل عانيت من إهمال أو من خطأ طبي؟ نحن نُحصّل لك حقوقك، لقد حصل زبوننا على تعويض مالي كبير، لقد اقترحوا عليه نصف مليون فقط، ولكن نحن حصّلنا له ثلاثة ملايين».
عندما تضع كلمات مثل «إهمال» أو «خطأ طبي» على محرك البحث، تجد مئات الشركات والمحامين الذين يقترحون عليك التواصل معهم لتقديم شكوى، وإذا ما مررت بتجربة خطأ طبي أو إهمال أو ما تظنه كذلك، يعدونك بربح كبير، مع أمثلة على نجاحات حققوها ضد هذا أو ذاك من المستشفيات، أو ضد وزارة الصحة.
هذه المكاتب تسعى إلى الحد الأقصى من الربح، لأن أجرتها عبارة عن نسبة مئوية معينة مما تحصّله لزبونها، ولهذا نقرأ في الصحف والمواقع الإلكترونية: «خالص الشكر والتقدير إلى المحامي الفلاني الذي عمل بإخلاص ومهنية وحصّل لي تعويضًا من المستشفى الفلاني، نتيجة خطأ طبي ارتكب بحقي»، أو بحق أحد أبناء الأسرة.
وللمستشفيات ووزارة الصحة محاموها وشركات تأمينها، وهكذا فإن قضية الإهمال والأخطاء الطبية صناعة هائلة، تدير مليارات الدولارات عبر دول العالم بتفاوت بين هذه وتلك، وذلك حسب قوانين كل دولة، وهذا يتعلق أيضًا بالمستوى الصحي والاقتصادي والقضائي العام.
قد يحدث الخطأ الطبي في تشخيص الحالة، كذلك ممكن وقوعه في نوع العلاج المقدّم أو كميّاته، وممكن أن يقع أثناء تقديم العلاج، مثل التأخّر في تقديمه، أو تعقّد العملية، مثل إصابة عصب أو عضو آخر غير العضو المعني أثناء عملية جراحية، أو حصول مضاعفات لم يجر إخبار المريض مُسبقًا بإمكانية حدوثها ولا بنسبة نجاح العملية أو فشلها، ولم يأخذوا موافقته الخطية، أو أن علامة معيّنة واضحة بقيت في جسده نتيجة العملية لم يخبروه مُسبقًا بإمكانية بقائها، خصوصًا إذا كانت امرأة قد تؤثر على مظهرها.
كذلك فقد يكون الخطأ أنهم أجروا للمريض فحوصا كثيرة، ثم حرّروه دون العثور على سبب معاناته، ثم اتضح بأنه كان مريضاً، ولكنهم لم يكشفوا مرضه مبكرًا، رغم وجود إمكانية موضوعية للكشف عنه، من ناحية المعدات والقدرات العلمية المتوفرة في البلد، كذلك هناك حالات شكاوى ضد سيارة وطاقم الإسعاف الذي تأخر كثيرًا في الوصول لنقل مصاب، أو أنه وصل ولم يكن مزوّدًا بعتاد كافٍ لإجراء عملية إحياء اصطناعية، الأمر الذي أدى إلى وفاة شخص كان إنقاذه ممكنًا.
ما كان الإنسان ليكتسب المعرفة إلا من خلال تراكم التجارب وتناقلها بين أبناء البشر، وما زال الإنسان يتعلّم ويُجري التجارب، وفي أحيان كثيرة يُدخلون دواء جديدًا للتجريب على البشر بعد نجاجه على الفئران، ويستشيرون المريض إذا ما كان موافقًا على استعمال دواء جديد لمرضه، الذي قد ينجح وقد يفشل، وعادة ما يجري التجريب على أولئك المرضى الذين يثقون ثقة عمياء في الطبّ والأطباء، ولا يدرسون الموضوع من كل جوانبه، فإذا ما اقترحوا عليهم دواءً جديدًا، وافقوا فورًا، واعتبروا الأمر هدية لهم، ويرون فيه فسحة أمل أخيرة للنجاة، ولسان حالهم يقول: «وإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون».
تحتل الوفيات نتيجة الخطأ الطبي في أمريكا المرتبة الثالثة في أسباب الوفاة، وهذا رقم هائل، وهذه النسبة ترتفع أكثر بكثير في الدول التي تملك جهازًا صحيًا أقل تطورًا من أمريكا وأوروبا، ولكن لا توجد إحصاءات رسمية بصددها، وأعتقد أن النسبة العالية في أمريكا وأوروبا تعود أولاً إلى الكشف عن هذه الحالات، ووجود رقابة ومعايير مشددة في هذا الجانب، بينما تعتبر شبيهاتها لدى كثير من دول العالم الثالث قضاءً وقدرًا، ولا يجري البحث عنها، فلا تعتبر إهمالاً أو خطأ طبّيًا، بل تعتبر حالة وفاة في فترة العلاج.
أكثر من مرة سمعت أن طبيبًا قال لمريض: من الذي أعطاك هذا الدواء؟ من الذي نصحك بهذا؟ يجب أن تكف عن تناوله فورًا، هذا سبب معاناتك،
كيف تحمّل جسدك كل هذه الأدوية؟ إنها تقتل حصانًا. ويصمت المريض، فهو يفعل ويتناول ما يقولون وما يقدمون له.
وكثيرًا ما سمعنا مريضًا يقول: «الطبيب الفلاني كاد يقتلني، وعندما انتقلت إلى طبيب آخر غيّر لي الدواء فارتحت على يديه». الحقيقة أن الطبيب الثاني أو الثالث استفاد من فشل من سبقوه.
أخيراً، في الوقت الذي تحوّل الخطأ والإهمال الطبيان في الدول المتقدمة إلى تجارة وصناعة ودورة مالية يشارك فيها ملايين البشر بتكلفة مليارات الدولارات، وبات الكشف عنها أحد أسس الأنظمة المتقدمة، فإن هناك مئات الملايين من أبناء البشر الذين ما زالوا عاجزين عن الوصول إلى المستشفيات، وإذا وصلوها فهم عاجزون عن دفع تكاليفها، وإذا حدث خطأ أو إهمال طبي فلا أحد يعلم به، وإذا عُلم، فلا يملك المواطن الأدوات التي تجعله قادرًا على مواجهة الوزارات وإدارات المستشفيات، وهذه الشعوب الفقيرة هي بالذات التي يتعالج قادتها وأسرهم ويجرون لهم «الفحص الروتيني» في أرقى مستشفيات أمريكا والغرب.

1