أحدث الأخبار
الأربعاء 17 تشرين أول/أكتوبر 2018
زوال "إسرائيل" حقيقة أم صناعة أوهام؟!
بقلم : سهيل كيوان ... 23.08.2018

أعرب بنيامين نتنياهو عن مخاوفه من زوال دولة إسرائيل، وشبهها بدولة الحشمونائيم، التي عاشت حوالي ستين عاما في القرن الأول قبل الميلاد، وقال إنه يريد أن تعيش إسرائيل حتى تبلغ العام المئة. فهل يوجد ما يبرر مخاوف نتنياهو من زوال إسرائيل؟ أم أنها أوهام لا حقيقة واقعية لها أم ماذا؟
اعتمدت الدعاية الصهيونية كثيرًا في تأسيس كيانها أصلا، على الكارثة التي حلت بيهود أوروبا في الحرب العالمية الثانية، لم يكن هذا هو السبب في قيام هذا الكيان الذي أعد له قبل الحرب العالمية الثانية بكثير، ولكن الكارثة التي حلت بيهود أوروبا سرّعت في قيام هذا الكيان وأوجدت له المبرر الأخلاقي، وفي ما بعد باتت المحرقة تُشهر في وجه كل من يوجه انتقادا لهذا الكيان وممارساته العنصرية، حتى تلك التي تعتبر جرائم بحق الإنسانية، بحيث يسرعون لاتهام هؤلاء باللاسامية، ومعاداة اليهود.
من خلال هذه التصريح المتكرّر عن القلق على مصير إسرائيل، يعمل بنيامين نتنياهو، ومن سبقوه على كسب تعاطف الحكومات والأمم، وعلى رأسها أمريكا وأوروبا وغيرها، لكسب التعاطف والدعم المعنوي والمادي والعسكري الكبير، وحتى تعاطف بعض العرب مع هذا الكيان «المسكين»المهدد بالزوال.
يحاول نتنياهو إثارة العطف على كيانه العنصري، الذي يذلّ الفلسطينيين ويقتلهم ويصادر أراضيهم ويحرمهم من الماء النظيف، ففي الوقت الذي أعلن فيه عن خطر زوال إسرائيل أُعلن عن إتاحة حوالي ألف وحدة سكنية جديدة في الضفة الغربية، والحقيقة أن ما هو معروف دوليا كمنطقة احتلال منذ عام 1967 باتت مناطق إسرائيلية، تُعامل كما تعامل أي منطقة في وسط تل أبيب أو شمال فلسطين.
إضافة إلى التعاطف الدولي لغض النظر عن ما يقوم به هذا الكيان العنصري، فهو أيضا موجّه إلى الشارع اليهودي لإسكات الأصوات المعارضة لممارسات الاحتلال، وإدخال شعور القطيع المحاصر بالوحوش، التي تريد افتراسه، بحيث يجري قمع أي صوت معارض، وكذلك وضع العرب الفلسطينيين داخل إسرائيل، في خانة أولئك الذين يريدون القضاء عليها، وهذا يعني عدم الإصغاء لمطالبهم بالحقوق والمساواة، وتشريع وتثبيت قانون يهودية الدولة، فخطر الإبادة مقبل.
منذ نشأتها استخدمت حكومات الاحتلال المتعاقبة هذه الذريعة، وقد برزت هذه الذريعة بأن العرب ينوون إلقاء اليهود في البحر ليكونوا طعاما للأسماك، وهذا غذّاه في مرحلة ما الخطاب العربي غير الناضج في تلك الحقبة، الذي اعتمد على البلاغة والإنشاء، أكثر مما اعتمد على حقيقة توازن القوى على أرض الواقع.
هذه الذريعة استخدمت ضد الفلسطينيين وما زالت تستخدم حتى يومنا هذا بأنهم يسعون للقضاء على اليهود، وليس لتحرير وطن مغتصب وإعادة لاجئين إلى وطنهم. هذه الذريعة استخدمت ضد صدام حسين عندما صرّح بأنه يستطيع أن يشطر هذا الكيان إلى شطرين، وبدأ التحريض والحشودات ضده إلى أن جرى القضاء عليه حتى إعدامه صبيحة يوم الأضحى. هذا السلاح الدعائي يستخدم اليوم ضد إيران بزعم أنها تسعى للقضاء على إسرائيل. هذا السلاح موجّه أيضا ضد تركيا، رغم عدم وجود أي تصريح متهوّر من هذا النوع من الجانب التركي، فتركيا قوية لا تلبي رغبات نتنياهو وحكومته ولا ترامب وإدارته، ولهذا يسعون لإفشال أردوغان، بعد فشل الانقلاب العسكري يحاولون إفشاله اقتصادياً. هذه التهمة موجهة للعرب الفلسطينيين في فلسطين 48 بأنهم طابور خامس يسعون للقضاء على إسرائيل من داخلها، وهذه ذريعة لاضطهادهم. في الحقيقة أن الخطر يتهدد الشعوب والأمة العربية من هذا الكيان العنصري. التخطيط الصهيوني هو دولة يهودية ما بين البحر والنهر، وهذا ما يجري على أرض الواقع، فدولة إسرائيل باتت قائمة على كل مساحة فلسطين، باستثناء الجيوب السكانية الفلسطينية المحاصرة، والخاضعة تماماً لسلطة الاحتلال، في طعامها وشرابها وأمنها. نتنياهو يرى في هذه الجيوب السكانية الفلسطينية، بثورا سرطانية يجب التخفيف منها قدر الممكن حتى استئصالها، هذا يحدث من خلال تشديد الخناق عليها، والسيطرة على الموارد المائية، وتخريب الزراعة الفلسطينية، الأمر الذي يعني دفع الأجيال الصاعدة إلى الهجرة، وهذا موجود في الواقع. هذا الكيان منذ تأسيسه يعتمد سياسة المسكنة والتظاهر بخطر الزوال، وهو الذي صار يملك مئات الرؤوس والقنابل النووية، وفي حال شعر بخطر زوال حقيقي فهو لن يبقي عاصمة عربية من دون تدميرها الشامل. أما الخطر الحقيقي الذي يخشاه حكام هذا الكيان، كان وما زال هو حالة السلام، بغض النظر عن المساحة المفترضة للدولة الفلسطينية، فالسلام يعني وقف عمليات التهجير وسرقة الأرض ونمو القوى البشرية للجميع، بشكل طبيعي، من دون حصار أو تهجير أو إبادة مباشرة. السلام يعني المنافسة الوحيدة في إبداع الحياة. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يخشاه بنيامين نتنياهو ومن سبقوه، فالفلسطينيون والعرب مستعدون لتحدي الحياة وليس الدمار الشامل. لهذا فإن التخويف بالمصير الكارثي لليهود هو الخطاب الديماغوجي الذي يرتاح إليه، وهو مضطر بصورة دائمة إلى إعادته وتشويه أصحاب الحق ونواياهم..

1