أحدث الأخبار
الجمعة 19 تشرين أول/أكتوبر 2018
كم إسلاما لدينا؟!
بقلم : د. فيصل القاسم ... 19.05.2018

تعمد كل الأنظمة السياسية في العالم، بما فيها الديمقراطية قبل الديكتاتورية إلى تنميط الشعوب ووضعها في قالب واحد يناسب الأنظمة الحاكمة، ويسير على هواها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وحتى دينياً. فلا تنسوا أن الدين حتى في العالم الإسلامي مجرد أداة في أيدي الحكومات لتطويع الشعوب وتسييرها في الخط الذي يخدم الأنظمة بالدرجة الأولى قبل أن يخدم الشعوب نفسها. وقد سمعنا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أسابيع وهو يتبرأ من الحركة الوهابية التي عاش عليها نظامه منذ عقود وعقود، فقد قال للصحافة الأمريكية إن الإسلام السعودي المعروف بالوهابي ليس إسلامنا، بل هو نوع من الإسلام الذي فرضته علينا أمريكا لنواجه به الشيوعية. قالها الرجل بكل جرأة مع أن ما قاله يدينه ويدين نظامه قبل أن يدين أمريكا.
ولا ننسى أن كل نظام سياسي يروّج لنوع معين من الدين الذي يناسبه ويناسب أفكاره ومصالحه، حتى لو ادعوا أن الدين واحد لكل البشر. لا أبداً، هذا غير صحيح بالمطلق، فالدين قد يكون واحداً بحد ذاته، لكنه ليس واحداً لكل الأنظمة السياسية، فكل نظام يأخذ الجانب الذي يناسبه من الدين ويعتبره الدين الصحيح، بينما يعادي وينبذ الأشكال والنسخ الأخرى من الدين ويعتبرها «خوارجية». ولطالما رأينا أن المفتي في البلدان العربية التي تدعي أنها علمانية يتصرف بطريقة أكثر علمانية من علمانية فرنسا أحياناً كما في سوريا، ويحاول أن يظهر دائماً بمظهر الليبرالي الراديكالي، ولو طلبوا منه أن يقول عن كارل ماركس أو إيف سان لوران رضي الله عنهما لما تردد. ولا يجد هذا النوع من المفتين مشكلة في تصوير الدين على أنه بالأصل علماني وليس سماوياً، ويستطيع أن يستنبط من التاريخ والفقه الديني العديد من الأمثلة التي تدعم وجهة نظره العلمانية ـ إسلامية. وهذا النوع من المفتين يفعل ذلك مجاراة للنظام السياسي الذي يتبع له بالدرجة الأولى، لأن النظام في سوريا مثلاً بالأصل نظام أقلوي غير إسلامي، ويخشى من الأكثرية المسلمة في البلاد، لهذا يعمد إلى علمنة الأكثرية كي يستطيع العيش بأمن وسلام كأقلية بين أكثرية مسلمة. وبالتالي ستجد أن الطبقة الدينية في مثل هذه الأنظمة تنزع كلها باتجاه التسامح المصطنع والانفتاح المبالغ فيه والعلمنة المفتعلة نزولاً عند رغبة النظام السياسي الحاكم ومصالحه الخاصة أولاً وأخيراً. وهذا يعني أن الدين الذي يمارسه هذا النظام وأمثاله دينهم المصلحي الخاص، وليس الدين بشكله العام.
وكما أن الأنظمة السياسية القريبة من العلمانية تصنع ديناً متعلمناً، فإن الأنظمة المنغلقة والمتزمتة تصنع ديناً خاصاً بها قائماً على التطرف والانغلاق ومعاداة الآخر بما يناسب المؤسسة السياسية الحاكمة ومصالحها والدور المنوط بها. لاحظوا الآن أن النظام السعودي مثلاً تغير نوع الإسلام الذي مارسه منذ نشأته بشكل كامل، ويقلبه رأساً على عقب بما يناسب العهد السياسي الجديد.
لاحظوا مثلاً كيف أصبحت هيئة الترفيه في السعودية الآن أهم بكثير من هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكيف أصبح المطربون والمطربات والفنانون والفنانات أهم من كبار العلماء القدامى في السعودية، الذين أصبح معظمهم في السجون الآن، مع العلم أنهم كانوا قبل أشهر قليلة عماد النظام السياسي في البلاد، لكن بما أن النظام سيتغير، فلا بد أيضاً من تغيير نوعية التديّن في البلاد.
ولطالما فرض الغرب والقوى الاستعمارية على هذا البلد أو ذاك نوعاً معيناً من التدين بما يناسب ويخدم مصالح المستعمر. وقد استخدم الاستعمار الدين لمصالحه الخاصة كما استخدمته الحكومات العربية. وقد لعب الدين دوراً مهماً في تخدير الشعوب وترويضها على أيدي المستعمر لمصالح استعمارية بحتة. ثمة مقولة مأثورة للقس الجنوب أفريقي الراحل ديزموند توتو، انتشرت على نطاق واسع باعتبارها «مقولة ذهبية» تلخص فلسفة هذا «القس المشاغب» المثير للجدل. يقول توتو «عندما جاءت البعثات التبشيرية إلى أفريقيا، جاءوا ومعهم الكتاب المقدس، وكانت معنا الأرض. قالوا لنا: لنصلِّ. أغمضنا أعيننا وبدأنا نصلي، وعندما فتحناها كان معنا الكتاب المقدس، واستولوا هم على الأرض». لاحظوا هنا كيف استخدم المستعمر الدين لتخدير شعوب أفريقيا واللعب بعقولها لنهب ثرواتها وخيراتها. ويحكى أن أحد قادة الاستعمار في أفريقيا ذات مرة سأل عن ديانة إحدى المقاطعات التي يستعمرها، فقالوا له: «ليس لدى سكانها دين يا سيدي»، فقال لهم: «اصنعوا لهم ديناً على الفور"!!

1