أحدث الأخبار
الأحد 23 أيلول/سبتمبر 2018
ما هو لون الله؟!
بقلم : سهيل كيوان ... 26.04.2018

كنت جالساً وأمامي الكمبيوتر، أشاهد على اليوتيوب تسجيلات لأهداف النجم محمد صلاح، وانفعال اللاعبين والمدرّبين والجمهور، وجولاته في الأمكنة العامة.
لست من متابعي أخبار فرق كرة القدم ونجومها بشكل عام، ولكنني بين حين وآخر أشاهد مباراة من مباريات القمة، وأتفاعل مع الأداء الجميل.
أشعر بمتعة كبيرة وأنا أشاهد تسجيلاته، خصوصاً وهو يُتبع الهدف بسجدة على أرض الملعب، بينما الجمهور الأجنبي يقف محيّياً ومعجباً.
أثناء انشغالي هذا، تأتي حفيدتي إبنة السنوات الأربع بين حين وآخر لتقول لي: «سِيدي أعطني ورقة ألوّنها».
فأختار تخطيطاً لرسمة بالأسود والأبيض من الحاسوب وأطبعها لها، وبعد دقائق تحضرها لي، لأراها وقد لوّنتها.
أنظر إلى الألوان، وأعبّر عن دهشتي من ذوقها الرفيع.
أعطيها ورقة أخرى، ثم أعود لمشاهدة تسجيل آخر وآخر لمحمد صلاح.
يبدو محمد صلاح كجندي في الصف الأول، يتحمل مسؤولية أخلاقية يؤديها بلباقة أمام الأجانب.
احترام وتقدير محمد صلاح من قبل الأجانب يقول، بأن العالم يحترم من يبدع في عمله ويمهره بالتواضع، إنه السّر الذي يجعل الناس يحبونك، ويفرحون لنجاحك.
أفكّر في سجدة محمد صلاح، تأخذني إلى شعب مصر المؤمن بفطرته، والذي يرى في كل نجاح إكراماً إلهياً له، «ربِّنا أكرمني ونجحت»، «ربِّنا أكرمني واشتريت عربيّة»، «ربِّنا أكرمني وربحت» – بفوازير رمضان -.
أتخيّل الفرحة التي يبعثها نجاحه وتصرّفه بقلوب الملايين، والفارق بين السّجدة على ملعب الزمالك أو الأهلي، وبين ملعب ليفربول بحضور جمهور مختلف دينياً بأكثريته.
كنت مستغرقاً في هذه الهواجس، حين جاءت حفيدتي مرة أخرى وهي تحمل ورقة لوّنتها وسألتني ببراءة: سِيدي، شو لون الله؟
هذه الطفلة تسأل عن كل شيء، لدرجة مستفزّة أحياناً، قبّلتها: «ولِك يا ملعونة من وين بتجيبي هالأسئلة؟».
في طفولتنا، لم نكن نسأل كثيراً، تعلمنا أنه خالقنا وخالق كل شيء، وإذا أخطأنا سيعذّبنا بتعليقنا من رموش أعيننا، وإذا أحسنّا التصرف سيكون مصيرنا الجنة، وأي سؤال إضافي، مثل حجم الله سبحانه، وماذا يأكل وأين يسكن وإذا ما كانت له زوجة! يكون الجواب الفوري: «إستغفر الله العظيم، لا تسأل هيك أسئلة، هذا حرام، الله سيعذّبك».
فنصمت، ونستغفر الله العظيم، حتى اعتدنا الأمر.
قلت لها: الله خالق كل شيء وهو كبير جداً، ولا نستطيع أن نراه، ولا نعرف شكله أو لونه.
بعد قليل عادت الطفلة وقالت لي بثقة كبيرة: أنا أعرف لون الله؟
- وما هو لون الله؟
- أسود.
- أسود؟! وليش أسود؟ عادة كنا نتخيّله سبحانه وتعالى بملابس بيضاء.
فقالت: أنا رأيت الناس في التلفزيون يدورون حوله ويصلّون.
- آه، فهمتك، هذه هي الكعبة المشرّفة، وليست الله.
- إذن ما هو لون الله؟
- نحن لا نستطيع أن نراه، وعندما تكبرين ستعرفين أكثر.
صمتت الطفلة، وعادت لترسم وتلوّن.
لكنها أثارت بي تساؤلات، هل حقاً ستعرف أكثر عندما تكبر أم ستزداد حيرة؟
قبل أيام استمعت إلى محاضرة علمية، جاء فيها أن العلماء في القرن الأخير استقروا على أن الكون نشأ بعد انفجار عظيم، لمادة صغيرة جداً ولكنها عالية الكثافة بما لا يتخيله العقل، ونتجت عنها المجرات والكواكب التي ما زالت تتسع مثل العجين المختمر!
رغم متعة تفسيرات العلماء واجتهادهم، ولكن كيف نفسّر وجود مليارات المجرات التي تحوي كل واحدة منها مليارات الشموس والنجوم من لاشيء؟!
وإذا كانت كرتنا الأرضية في حجم حبّة رمل على شاطئ المحيط، ونحن البشر على حبة الرمل أقل من غبار اللقاح، فمن أين لدماغٍ حجمه أقل ملايين المرات من ذرة غبار لقاح في هذا الكون اللامتناهي، أن يفسّر ظاهرة الكون وخلقه بشكل صحيح؟
مع احترامي للعلماء وإبداعهم، ولكل محاولات تفسير الكون، فعقولنا نحن البشر أيضاً مكبّلة ومحدودة، مثلها مثل حواسنا الخمس، فنحن لا نسمع كل الأصوات المحيطة بنا، ولا نرى كل شيء، ولا نستطيع ملامسة كل شيء، أو تذوّقه أو شم كل الروائح، فالكلب مثلاً يشم أضعاف ما يشمه الإنسان بمئات المرات، والسمكة ترى في ظلمات المحيط ما لا يراه الإنسان، والفيروس الذي قد يؤدي إلى وفاتنا لا نراه.
هكذا عقولنا فهي محدودة القدرة مثل بقية حواسنا، رغم كل الجهود التي أحترمها وهي ليست قليلة.
باعتراف العلماء أنفسهم أنه قبل مئة عام فقط، كان العلماء مقتنعين بنظريات اعتبروها حقائق، وكانت تعتبر ما سبقها من نظريات خطأ، ولكن تبيّن خطؤها في العقود والسنوات الأخيرة، ومن المحتمل أنهم بعد مئة عام أو أقل، سيقولون إن العلماء قبل مئة عام آمنوا بنظرية خاطئة أطلقوا عليها اسم «الانفجار العظيم».
هذه ليست دعوة للكسل الفكري، العكس هو الصحيح، يجب أن نعوّد أنفسنا ونعوّد أبناءنا وأحفادنا على التساؤل عن كل شيء، وأن نحاول تقديم الإجابات، فمهما كانت الإجابة ضعيفة، تبقى أقوى من التجاهل.
مثلاً، بأي منطق تحوّل الكربون بعد ملايين السنين من لا شيء إلى فراشات وورود وخيول وكناغر وسلاحف وبشر يفكرون ويكتشفون ذواتهم، وما حولهم ثم يبحثون في نشأة الكون؟
أين المنطق بتحوّل المادة الصمّاء إلى أداة تفكير وإدراك تكتشف ذاتها؟ وكيف تحوّلت الغازات والأتربة إلى أدمغة وأبصار وأسماع وأذواق ولمس وشمّ؟ ولماذا على كوكبنا فقط من بين مليارات الكواكب والمجرّات؟ وكيف نفسّر نشوء هذا الفارق بين المُخّ وحبة البطاطا والحجر! ولماذا لم تتحول الكرة الأرضية كلها إلى كائن حي دماغه بحجم سلسلة جبال طوروس! وكيف أمكن لمادة الكربون أن تتذكر ما حدث معها قبل عقود، وتعرف مَن سبّبَ لها الأذى أو الفرح وتخطط للمستقبل، وتستقرئه؟ مع احترامي وتقديري للعلماء ولكل اجتهاد علمي.
في المقابل لدى المؤمن إجابة أخرى، تستند أولاً على الإقرار بمحدودية دماغ الإنسان واستحالة قدرته على المعرفة الكلّية، ويؤمن بخالق لهذا الكون، لا تستطيع أدمغتنا الإحاطة بقدراته أو بصفاته، ولا نستطيع أن نتخيّله بمعاييرنا الصغيرة والضيقة جداً، مثلاً لو طلبنا من نحلة أن تفسر الكرة الأرضية وما يجري عليها، رغم ذكائها بجمع الرحيق وصناعة أقراص العسل فهي سترتكب أخطاء كبيرة في تفسيراتها، ولهذا فالإيمان يعتمد أولاً على ما لا يُدرك حسّياً.
طبعاً لدى المشكّكين أيضاً تساؤلاتهم الكثيرة!
مثلاً، من أين وكيف أتى خالق كل هذا الكون؟ وماذا كان قبله؟ وما الهدف من خلق الإنسان؟ وما سِرُّ عذابات البشر التي لا تنتهي، ولماذا لا يكون جميع الناس سعداء؟ إلخ…
كنت أفكر بهذا وأشطح بعيداً في تصوّراتي، بينما الطفلة التي رمتني بسؤالها الوجودي المدهش، تلوّن ورقتها بهدوء، وتعود بين فَينة وأخرى وهي تحملها: شوف سيدي شو لوّنت، ثم تسألني بفرح: حلوة الألوان؟
- آه بتجنن..
- طيّب، أعطني كمان ورقة لألوّنها

1