عاجل
  • دمشق..سوريا : 70 ألف عائلة محاصرة و40 ألف إعاقة.. ومأساة تنذر بكارثة إنسانية في ريف دمشق الشرقي!!
  • ستراسبورغ..فرنسا: صحيفة " تايمز" : البرلمان الأوروبي مرتع للتحرش بالنساء!!
الاثنين 23 تشرين أول/أكتوبر 2017
إعرف من أنا…!!
بقلم : سهيل كيوان ... 30.03.2017

قام أحد العمال في أحد بيوت العجزة في حيفا بفضح ممارسات زملائه من الممرضين والممرضات الذين يطلق عليهم تسمية (ممرّضون مساعدون). تم تصوير هؤلاء بكاميرا خفية فظهروا بأبشع وأحقر ما يكون، يضربون المسنين والمسنات ويرغمونهم على البقاء في ملابسهم وغياراتهم الداخلية المبللة دون تغييرها، ومن يعترض منهم يتعرض للتوبيخ والضرب.
لفت انتباهي أحد العجائز وهو يصيح بالممرض بألم وبصوت مرتجف «أنت لا تعرف من أنا! لا تعاملني بهذه الطريقة، عليك أن تعرف من أنا». لكن العامل الروسي الأصل الضخم القوي الساعدين لا يعرف من هو ولا يريد أن يعرف كان يرفعه بوحشية ويرميه في سريره كما لو كان قطعة خشبية ثم يصفعه على وجهه كأنما يقول له «من ستكون يعني! وعندما يحاول العجوز المقاومة بقواه التي استنزفتها السنون، يرفعه الشاب بعنف ثم يلقيه في السرير ويربطه بأحزمة بينما العجوز يواصل توسله «إعرف من أنا، إعرف من أنا!» فيصفعه من جديد.
بعد هذه الوجبة ذهب الممرض المساعد إلى مسؤولة النزل، وهي سيدة في منتصف العمر ليجالسها هو وزملاؤه الذين قاموا بأعمال تأديبية شبيهة في الغرف الأخرى للمسنين والمسنات، وبعد إنهاء مهمة إرغام العجزة على التزام أسرّتهم اجتمعوا في سهرة أنس حول زجاجة فودكا ليقضوا ما تبقى من الليل في هناء وسعادة حتى تنتهي الوردية.
«إعرف من أنا»، ربما كان شخصية ذات شأن على الأقل بنظر نفسه قبل عقود قليلة، ربما كان قائدًا لمشروع أو مديرًا في مصنع أو في مكتب تحت إمرته عشرات الموظفين، ربما كان قائدًا عسكريًا كبيرًا له شأنه، لم أشفق عليه بشكل شخصي فقط، بل أشفقت على الإنسان عمومًا الذي مهما بلغ من القوة والبأس إذا رُدّ إلى أرذل العمر يصير ضعيفًا واهناً بحاجة إلى الآخرين، ويا ويله إذا وقع بأيدي أناس لا تردعهم أخلاق ولا دين ولا قيم في مجتمع بات لا يقدس سوى المال.
في بيوت العجزة يربحون من هؤلاء، فمخصصات المسن من التأمين الوطني والتقاعد تحوّل إلى المؤسسة التي يفترض أن ترعاه ويقوم أبناء وأسرة هذا المسن بإضافات تكميلية لما هو مطلوب، ولا يخلو الأمر من إكراميات لهؤلاء الممرضين كما شهدت إحدى النساء التي رأت أمها تضرب في التقرير الصحافي الذي بثته القناة الإسرائيلية الثانية فقالت وهي تنتحب» لقد منحتهم إكرامية جيدة كل أسبوع كي يعتنوا أفضل ما يمكن بوالدتي والنتيجة أنهم ضربوها وأذلوها بأقذر ما يمكن، يا ويلي فهي ربّتني وتعبت وعملت كل شيء لأجلي».
بيوت العجزة ليست مثل بعضها من حيث مستوى الخدمات والمعاملة، هناك بيوت للفقراء تمنح الحد الأدنى من الخدمات، وهناك ما هو أرقى للأغنياء وأصحاب المدخولات الكبيرة.
زرت أنواعا مختلفة منها في نطاق عمل صحفي وأحيانا بحكم أو الصُدف والفضول.
في إحدى المؤسسات في مدينة عربية اتصل بي عجوز ودعاني لزيارته فلبيتها، تعرّفت عليه فأظهر لي أوراقه وموهبته في الكتابة، كان مرحًا وخفيف ظل، وكان وحيدًا لا أسرة له، والحقيقة أن صاحب النزل وهو عربي أيضا ساعده كثيرًا في المكوث في نزله وراعى ظرفه، وكانت معاملة الممرضات له في غاية الإحترام والحنان، فعلقوا كتاباته على جدار إحدى القاعات وشجعوه فشعر بأنه ملك زمانه، وكانت بين النزلاء مُسنّة تحفظ الكثير من التراث الفلسطيني في الغناء والأهازيج، كانت أصحاب الأفراح يعتمدون علهيا في الزفة والسهرات، كانوا يقيمون في النزل عرسا كل يوم جمعة بمشاركة عاملي المؤسسة، شعرت بأن المؤسسة بيت دافئ بالفعل وحتى أفضل من البيت.
كذلك زرت واحدًا من هذه البيوت ولكنه للطبقة الغنية، الأجرة الشهرية فيه تبلغ حوالي أربعة آلاف دولار، ولكنه مثل فندق خمس نجوم فيه بركة سباحة كبيرة، ومساحات خضراء واسعة ومكتبة، ولكل نزيل غرفته وملحقاتها ومرافقة خاصة فلبينية أو سيريلنكية. النزلاء إما كانوا في وظائف راقية جدًا أو أنهم ينتمون لعائلات غنية، وبعضهم ممن خدموا في الجيش والشرطة في مناصب متقدمة.
إحداهن عملت مسؤولة في وزارة المعارف تبلغ الخامسة والثمانين جاءت برفقة عجوز آخر إلى مكتبة المؤسسة، عندما عَرفت أنني عربي قالت لي: أنا بدأت أتعلم العربية.
- في هذه السن؟ ممتاز من يعلمك!
- معنا هنا نزيل من أصل عراقي يجيد العربية، نجتمع كل يوم جمعة ونتعلم العربية، إنها قريبة جدًا من العبرية، هناك كلمات تكاد تكون متطابقة، فاللغات السامية من جذر واحد! كم رائع أن نتعلم العربية، ولكنني حزينة لأجل مسنين آخرين، ليس لديهم ما لنا من إمكانيات، في هذا النزل يعيشون أكثر، هنا يوجد أناس في الخامسة والتسعين بحالة جيدة، هذا الزميل (وأشارت الى العجوز المرافق) في الثانية والتسعين وما زال كما ترى، أنا الآن في الخامسة والثمانين ولكن في بيوت عجزة أخرى يموتون أبكر، وعملي الآن هو في تحرير نشرة شهرية ورقية تتعلق بكل نشاطات المؤسسة.
كان العجوز الذي رافقها في سنين سابقة رجل مخابرات عسكرية في موقع على درجة عالية من المسؤولية، وهو شخصية معروفة على نطاق واسع وله مؤلفات بالعبرية ومترجمة إلى الإنكليزية، رغم سنه المتقدمة ما زال يتحرك بسرعة وبقامة منتصبة، خلال الحديث معهما انتقلنا بسرعة إلى السياسة فقال: نحن حصلنا على مناقشات القمة العربية عام 1965 في الرباط كاملة فور انتهائها، حاولت أن أفهم منه أكثر: هل تقصد أن الملك الحسن كان يعمل لصالحكم! فقال: ليس بالضرورة أن يعمل الملك لصالحنا، المغرب ليس الملك فقط، نحن لنا طرقنا للحصول على المعلومات. حاولت الحصول منه على أكثر ولكنه صمَت.
عندما سمعت المسن في التقرير التلفزيوني يصيح في العامل الذي يضربه «إعرف من أنا».. قلت لنفسي من يكون هذا المسن الذي يصيح بحرقة «إعرف من أنا»، لا شك أنه كان في موقع هام، على الأقل في نظر نفسه، ولكن حظه العاثر رماه بين أيدٍ لم ترحم عجزه وضعفه..

1