أحدث الأخبار
الأربعاء 17 تشرين أول/أكتوبر 2018
في عاشوراء مصر.. دعوة للتسامح ونبذ الخصام ليوم واحد !!
  21.09.2018

*يوم عاشوراء يمثل للكثير من المصريين يوم التقاء بين كافة الأديان ومذاهبها ويرون أن هناك حكمة إلهية لتعزيز التسامح والتأكيد على المحبة.
القاهرة –كتب محمود زكي.. يحمل يوم عاشوراء سمات مختلفة ووقائع فريدة في أغلب البلدان الإسلامية، إلا أنه يبقى له طابع خاص في مصر، لأن المواطنين يعدون لاستقباله والاحتفاء به باعتباره رمزا للتسامح بعيدا عن الاختلافات الفكرية والتناحر الديني.
تخطو أم أحمد بأنامل أقدامها الصغيرة والمنهكة من رحلة طويلة، استيقظت فيها من الصباح الباكر لتشد الرحال لسبع ساعات من قريتها الصغيرة في محافظة قنا بجنوب مصر إلى مسجد الحسين في وسط القاهرة.
ومع غروب الشمس، اعتادت السيدة العجوز أن تضع على رأسها صحنا كبيرا وثقيلا يحتوي حليبا دسما مُحلى بالعسل، تسبح فيه حبوب القمح والذرة الذهبية. تضعه في منتصف الساحة المقابلة للمسجد، وتصيح بأقصى ما تملك من قوة “عاشوراء يا عسل” في إشارة إلى تنبيه المارة ببدء ساعات الاحتفال بيوم عاشوراء الذي يتبارك فيه المصريون.
ويحتفظ الكثير من المواطنين بمكانة خاصة لهذا اليوم ويقولون إنه “اليوم الذي نجا فيه موسى وتابعوه من فرعون وجنوده، وهو اليوم ذاته الذي رد فيه نبي الله يوسف لوالده يعقوب، وهو كذلك اليوم الذي دعا فيه النبي محمد أن يصومه المسلمون تماما مثلما كان يهتم اليهود بصيامه”.
ويمثل يوم عاشوراء للكثير من المصريين يوم التقاء بين كافة الأديان ومذاهبها. ويرون أن هناك حكمة إلهية جمعت بعض الأحداث الدينية المختلفة في يوم واحد لتعزيز التسامح والتأكيد على المحبة التي رسختها الأديان السماوية الثلاثة.
ولا يرى هؤلاء أن هناك غضاضة في أن يكون اليوم شاهدا على ذكرى مقتل الحسين بن علي في كربلاء عام 61 هجريا، بل هو حدث آخر جمع بين حزن الشيعة والسنة، والتقى مع أحداث وقعت للكثير من الأنبياء، ومنها وهب النبي سليمان ملكه، ورفع البلاء عن النبي أيوب، وإنقاذ النبي يونس من بطن الحوت، وغيرها من الأحداث (غير المؤكدة علميا) لكنها مثلت تقليدا لدى المصريين بأنها رمز للتسامح والخير والقبول غير المشروط.
ولا يمر عام لا يخرج فيه قطاع كبير من المصريين إلى شوارع القاهرة القديمة ليلا، يتناسون آراءهم السياسية واختلافاتهم العقائدية ومدارسهم الدينية. يجتمعون في ساحات المساجد الكبيرة للتسامر وإطلاق الضحكات والنكات. والأهم تناول الوجبة الخاصة بهذا اليوم، والتي سميت باسمه (العاشورة) لتكون سمة تضفي جمالا على أيام المصريين.
تقول أم أحمد التي اعتادت القدوم إلى ساحة الحسين في اليوم العاشر من شهر محرم من كل عام، إنها تعلمت من أجدادها، وأجدادها تعلموا من آبائهم جمال يوم عاشوراء وعظمته. وبات الاحتفال وتناول وجبته الخاصة تراثا لا يغيب. ولأكثر من 25 عاما ظلت السيدة الصعيدية تحمل على كتفيها الصحن الضخم لتطعم أفواه المحتفلين بعاشورتها الخاصة.
وتضيف لـ”العرب” “يظن البعض أن قيمة اليوم في النفوس مرتبطة فقط بأهميته الدينية، لكن القيمة الحقيقية في التسامح بين الجميع وكل الطوائف. هو يوم يعلي فيه المصريون المحبة، التي تمثلت في تهنئة البعض سواء بالكلمات الرقيقة أو بطبق من ‘العاشورة’ يقدم للأقباط قبل المسلمين. يتناسى الناس ما يحملونه في عقولهم ويفضون إلى قلوبهم لإتمام سعادتهم”.
وتعود احتفالات المصريين بهذا اليوم إلى العصر الفاطمي، الذي كانت تنصب فيه خيام النازحين من كل حدب وصوب حاملين رايات الاحتفال الخضراء، ينتظرون اليوم المشهود ليتراصوا على جانبي شارع المعز لدين الله بوسط القاهرة، وتمر أفواج المحتفلين وأصوات المنشدين بأشعار اليوم وجمال كراماته، ويخطو القادمون من باب زويلة من شرق القاهرة إلى غربها عند نهاية القلعة القديمة.
اختفت تلك الاحتفالات “الكرنفالية” مع تغير الأوضاع، وبقي من اليوم الكبير أصحاب “الميعة المباركة”، وهم شباب صغار يحملون البخور ويطوفون ببعض شوارع القاهرة لنشر رائحته، يقينا بحماية مصر من العين الحاسدة.
وورد في كتاب المؤرخ تقي الدين المقريزي “البيان والإعراب في من نزل أرض مصر من الأعراب”، عن تلك الاحتفالات المبهجة، أن من أهم ما ميز اليوم تسامحه الفريد، فكان المسلمون يحملون “أطباق الأرز واللحم وصحون (أطباق) اللبن والقمح لأقرانهم من المسيحيين، بينما يمسك الأقباط أذرع البخور ويطوفون بها في الشوارع ليباركوا بيوت المسلمين ويدعون الله أن يحميها من كل شر”.
وأكد محمد أحمد إبراهيم أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة، لـ“العرب” أن المصريين لم يتقبلوا ترسيخ الدولة الفاطمية التي حكمت بلادهم لأكثر من 200 عام للاحتفال بتلك المناسبة عبر مظاهر الحزن الشيعية، وظلوا يمارسون جميع الطقوس المجتمعية والدينية، ومنها طبخ الأطعمة الخشنة والبصارة والعدس التي تتماشى مع حالة الحزن، لكن من دون أن يؤثر ذلك على عقيدتهم كأهل سنة.
وأوضح أن الفاطميين اعتادوا في تلك المناسبة على أن يقدموا حبوب القمح المطبوخة باللبن والمعروفة باسم “عاشوراء” إلى رجال الدولة، وهو ما جعلها طقسا متميزا حرص عليه غالبية المواطنين منذ تلك الفترة وحتى وقتنا هذا
وقال سيد فتوح، وهو أب لطفلين، يقطن في حي العباسية المزدحم (بشمال القاهرة)، لـ“العرب” إنه رأى أباه كيف يجمع جيران العقار الذي يقطن فيه في يوم عاشوراء ويصر على أن يتناولون طعام الإفطار.
وكانت تلك الأحداث تتكرر في كل عقار وفي كل شارع، وأضحى اليوم أشبه بمهرجان يضفي بهجة على الجميع وينتظرونه من عام لآخر، ولا يزال فتوح يفعل الشيء ذاته محافظا على ما تعلمه من والده ويعلمه لأبنائه ليبقى اليوم حيا شاهدا على تلك المحبة والعلاقة الوطيدة بين الجميع.
ويطلق المصريون منذ القديم على يوم عاشوراء مازحين يوم “الأطباق التائهة” كناية عن كثرة الأطباق التي تحتوي على الأطعمة الشهية والمتنوعة، يحملها الجيران إلى بعضهم احتفالا باليوم، ويصبح من الصعب التمييز بين أصحابها ويشير عبدالناصر حلمي أمين عام اتحاد القوى الصوفية المصرية، إلى أن الاحتفال بهذا اليوم يغلب عليه الطابع الاجتماعي، فالأمر ليس مقتصرا على توزيع وجبة “العاشورة” على الأقارب والفقراء داخل المساجد، لكنه يشكل احتفالا مبهجا وصورة جميلة لتعزيز العلاقات الاجتماعية!!
المصدر : العرب

1 2 3 4861
1