أحدث الأخبار
السبت 20 كانون ثاني/يناير 2018
آخر النحاسين في القدس ينفخ في حرفة تحتضر!!
  18.11.2017

لماذا تموت الحرف التي نقشت هوية شعب سنين طويلة؟ سؤال يتكرر مع كل حرفة تراثية قديمة تلفظ أنفاسها الأخيرة دون أن ينتبه إليها إلا القليلون رغم أن شعوبا عديدة تحرص على تراثها الذي تتميز به، وفي الوطن العربي تموت الحرف اليدوية واحدة بعد أخرى دون اهتمام من السلطات المعنية بحفظ التراث والهوية، وحرفة النحاس واحدة من الحرف التي يطويها النسيان في البلدان العربية كما في القدس أين يدافع أبوجواد عنها دون أن يتعلمها منه أحد.
القدس- لا بد للمار في سوق “الخواجات”، في البلدة القديمة للقدس المحتلة، أن يلتفت إلى دكان النحّاس محمد عبدالجواد (47 عاما)، ليس لجمال معروضاته النحاسيّة القديمة فحسب، وإنما لكونه أحد الدكاكين النادرة التي مازالت تفتح أبوابها في تلك السوق المهجورة.
ويعتبر عبدالجواد آخرَ نحّاس في مدينة القدس، فلم يبق في المدينة أي محل آخر يختصّ بصناعة الأدوات النحاسيّة أو تبييضها سواه. ورث عبدالجواد تلك الحرفة عن والده وجدّه، وتربّى في بيته في حارة السعدية وهو يراقبهما يصنعان الأدوات النحاسية ويبيضانها، فتعلمها وأتقنها.
ويشير إلى أن أبواب أكثر من عشرين محلا في السوق قد أُغلِقت بعد انتفاضة الأقصى عام 2000، بسبب ضعف الحركة الشرائية، مضيفا “لم يتبق سوى 6 محلات تفتح أبوابها في سوق الخواجات”.
ويقول عبدالجواد إنه يسعى من خلال محله إلى إحياء السوق الخاوي من الزبائن، “بقائي هنا لا يعود لأسباب الربح فقط، فصنعة النحاس لا تجلب الكثير من المال هذه الأيام، لكني أحاول إنعاش آخر ما تبقى من إرث النحاسين في المدينة”.
وسوق الخواجات يعود إلى العهد المملوكي في مدينة القدس، ويوازي سوقين شهيرين هما سوق اللحامين وسوق العطارين. وقد أطلق على تلك الأسواق “السوق الثلاثي”، فهي ثلاثة ممرات متوازية في قلب البلدة القديمة.
وأطلق اسم سوق “الخواجات” نظرا لتجار الأقمشة الأجانب الذين كانوا يعرضون بضاعتهم في تلك السوق. ويعاني سوق الخواجات كبقية أسواق القدس من ضعف الحركة الشرائية، ويشعر المارّون بالهدوء التام في أغلب ساعات اليوم، حيث يجلس أصحاب المحلات المتبقية على أبوابها دون عمل يذكر.
ومنذ 15 عاما، ورغم اندثار محلات النحاسة، واختفاء قدور النحاس من مطابخ أهل القدس، ورغم ضعف الطلب، قرر عبدالجواد الالتفات إلى “الصنعة التي بيده” كما يقول، والتي تمثل إرث أبيه وجدّه، فخصص وقته لتوسيع معارفه وتطوير مهاراته في حرفته.
وعلى طرفي دكانه في سوق الخواجات يعرض عبدالجواد ما جمعه طوال تلك السنوات من قطع نحاسيّة يصل عمر بعضها إلى مئتي عام، كالأواني والصحون والمزهريات والشيشة ويد الهاون والثريات ومكاوي الفحم والصواني المستخدمة لتزيين الجدران.
ويحصل عبدالجواد على تلك القطع من أسواق الخردة ومحلات المقتنيات القديمة في مختلف مدن فلسطين، كما أن بعض العائلات تأتي له بما ورثته عن جدّاتها من أدوات نحاسيّة، وتستبدلها بما فاضت به سوق الأدوات المنزلية المستوردة.
ويقول عبدالجواد إنه لا يتعامل مع ما يصله من قطع نحاسية كمعاملة التاجر فقط، فلا يحبّ أن تأتيه القطعة ومن ثمّ يبيعها في اليوم التالي، بل يُنشأ معها علاقة تتعدى مساحة البيع والشراء.
ويشير إلى بعض معروضاته قائلا “هذه القطعة إيرانية مثلا، وتلك لم أعرف مصدرها، فقضيت ما يقارب أسبوعين أبحث عنها في الإنترنت حتى عرفت أنها يابانية الأصل”.
وفي ظلّ اندثار استخدام الأدوات النحاسية، فإنّ عمل عبدالجواد اليوم ينحصر في صناعة بعض الأدوات للمطاعم، مثل قوالب الفلافل، قائلا “أغلب القوالب المستخدمة في تشكيل الفلافل في مطاعم القدس أقوم أنا بصناعتها، منها مثلا ما يأتي على شكل رأس قلب أو نجمة أو وردة”.
ويضيف بفخر “أقوم بتصليح أغلب سخانات القهوة أو السحلب في المقاهي الشعبية، كما أصنع ‘الأهلة’ التي تعتلي مآذن المساجد”. إضافة إلى ذلك، يجمع عبدالجواد مع حرفة النحاسة حرفة تبييض النحاس، والتي عُرِفت تاريخيا كمهنة منفصلة عن النحاسة، وتتضمن تنظيف الأواني النحاسية وتغليفها بطبقة من القصدير لحمايتها من المواد السامة.
ويقوم عبدالجواد بتبييض بعض الأدوات النحاسية التي مازالت مستخدمة حتى اليوم، كالقدور الكبيرة أو صحون دقّ الحمص التي يستخدمها جاره في سوق الخواجات “مطعم ادكيدك” الشهير.
أما آخر انشغالات عبدالجواد، وأقربها لقلبه، فهي النقش على ألواح النحاس وصناعة اللوحات النحاسية الفنية المكوّنة بالأساس من عبارات مزخرفة، أو آيات قرانية، والتي يجد فيها شغفه وتوافق اهتمامه.
وبما أنه الوحيد الصامد في حرفة النحاسة في القدس، زار عبدالجواد دولا عدة للاستفادة من تجاربها في مهنة النحاسة وتعلّم أساليب جديدة، ومنها الجزائر التي زارها مرتين والتقى بنحاسيها في قسنطينة، وذهب كذلك إلى إندونيسيا، كما أن موقع اليوتيوب لا يبخل عليه بالأفكار الجديدة.
ويرى عبدالجواد أن المستقبل أمام هذه المهنة ليس مبشرا، وأنها في “أنفاسها الأخيرة” حسب تعبيره، خاصة عند الحديث عن نقش اللوحات الفنية وأدوات الزينة. ويقول عبدالجواد “الحصول على المواد الخام مكلف جدا، فلوح النحاس الذي نحتاج للنقش عليه غال، وبالتالي لا نستطيع المنافسة أمام أسعار البضائع المستوردة”. ولا تغيب عن عبدالجواد الإشارة إلى ضعف تقدير المهارة اليدوية، وميل الناس إلى البضائع الاستهلاكية منخفضة التكاليف.
ويواظب عبدالجواد على فتح دكانه، ولا ينسى الإشارة إلى كون ذلك محاولة متواضعة لإحياء سوق الخواجات الذي أغلقت أغلبية محلاته. ويتسع طموح عبدالجواد إلى أن ينتج تذكارا مميّزا من النحاس يقتنيه السائح أو الزائر للقدس، “من صميم القدس” كما يقول، يحكي حكايتها، ويحمل رموزها.
ويقول “عندما تذهب إلى مصر مثلا تشتري تذكارات من صنع مصري، تحاكي الأهرام مثلا، وهكذا في كلّ الدول، فلماذا لا تكون لدينا في القدس تذكارات للسياح، تحمل رموز القدس وفلسطين، مثل باب العامود أو باب الخليل أو قبة الصخرة، وتكون كذلك من صنع أبنائها وداخل أسواقها؟”.
وكان للنحاسين في القدس سوقٌ خاصّة يشتركون فيها مع المُبَيضين، وهم من يختصون بمهنة تبييض الأدوات النحاسية وتصليحها.
وبحسب الباحث في تاريخ القدس بشير بركات، فقد أُنشِئت تلك السوق في العهد المملوكي في أحد مقاطع طريق باب السلسلة إلى الغرب من المسجد الأقصى، وامتدّت من مفترق حارة الشّرف إلى الغرب على مسافة 70 مترا.
ويضيف بركات أن تلك السوق انتقلت في أواخر العهد العثماني، تحديدا في العام 1860، إلى المقطع الشمالي من سوق اللحّامين، وسط البلدة القديمة، إلى أن تحوّلت غالبية دكاكينها إلى بيع المواد الغذائية أو التحف والجلود مع احتلال القدس عام 1967.
وفي كتابه “المفصّل في تاريخ القدس”، تحت عنوان “القدس كما رأيتها في مطلع عام 1947”، يمرّ المؤرخ عارف العارف على سوق النحاسين في ذلك الموقع الذي ذكره بركات، إلى الشمال من سوق اللحامين وإلى الجنوب من سوق خان الزيت.
ومن تاريخ الصناعات النحاسية في القدس، يذكر بركات أن أبواب المصلى القبلي وأبواب مصلى قبة الصخرة في المسجد الأقصى كانت تُغطى بألواح نحاسية يتم تصنيعها في سوق النحاسين في القدس!!

1 2 3 4805
1