عاجل
  • رام الله : «ثوري» فتح يطالب باستمرار الحراك الجماهيري ضد قرار ترامب في كل فلسطين!!
  • فلسطين المحتلة : انتفاضة العاصمة : اليوم السابع على إعلان ترامب : الغضب الفلسطيني مستمر..!!
  • فلسطين المحتلة : شهيدان في عملية اغتيال صهيونية شمالي قطاع غزة وتجدد المواجهات مع قوات الاحتلال!!
الأربعاء 13 كانون أول/ديسمبر 2017
مدينة الزّهراء نحو اعتراف «يونيسكو» بها تراثاً عالميّاً للإنسانية!!
  01.10.2017

كتب محمّد محمّد الخطّابي: إنيِّ ذكرتكِ بالزّهراء مُشتاقَا‏ /والأفقُ طلقٌ وَوَجهُ الأرض قد راقَا‏…وللنّسيم اعتلالٌ في أصائله‏ / كأنّه رقّ لي فاعتلّ إشفاقَا‏… والرّوضُ عن مائِه الفضيِّ مبتسمٌ/كما شقَقت عن اللبّات أطواقَا…‏ نلهو بما يستميلُ العينَ من زَهرٍ/جال النّدىَ فيه حتى مال أعناقَا…‏ كأنّ أعينَه إذ عاينتْ أرَقيِ/بكتْ لما بيِ فجالَ الدّمعُ رقرَاقَا.‏
هكذا كان يتذكّر، ويخاطب متحسّراً الشّاعر المتيّم ابن زيدون خليلته الشّاعرة الرقيقة ولاّدة بنت المُستكفي فيما مضىَ من الأيام، عندما كانت قرطبة عاصمة لدار الخلافة، وكانت مدينة الزّهراء الحاضرة المعمارية الجميلة الفريدة في بابها التي أنشأها ثامن خلفاء الدَّولة الأمويَّة في الأندلس، عبد الرَّحمن بن محمَّد بن عبد الله المُلقَّب بالنَّاصر (912–961). تقع هذه المدينة المَعلمة شمال غرب مدينة قرطبة وجعلها الخليفة مقرَّاً، ومستقرّاً جديداً لخلافته لينأى عن دأب، ولجَب، وصَخَب، وضجيج مدينة قرطبة الكبرى. وانتقل الخليفة النَّاصر بالفعل إليها، وأصبحت مدينة الزَّهراء مركزاً للخلافة، وظلت على تلك الحال لمدّة أربعين سنة، وهي مدَّة حُكم عبد الرَّحمن النَّاصر ونجله الحكَم المستنصر. وعندما تولَّى الحاجب المنصور بن أبي عامر الحُكمَ في الأندلس شيّد مدينته الأخرى التي أطلق عليها الزَّاهرة، ونقل مركز الخلافة إليها كذلك. وفي القرن العاشر الميلادي تعرَّضت الزَّهراء إلى عمليات السَّلب، والنهب، والتلف، والحرق والدَّمار، وسرعان ما أصبحت رُكاماً دارساً مهجوراً، بعد إشعاع، وازدهار، ونعيم، وغطتها الأتربة، والحِجارة، والأشجار، والحشائش، إلى أن أُعيد اكتشاف بقاياها، وآثارها حديثاً.
تقع أطلال الزّهراء في عصرنا الحاليّ في الناحية الغربيّة من قرطبة، وهي تُعرف اليوم بقرطبة القديمة. أطلق الخليفة عبد الرَّحمن النَّاصر على القصر الفخم الذي بناه في مدينة الزَّهراء إسمَ «الزَّهراء»، وكان هذا المبنى المعماري مِثالاً فريداً في الرَّوعة، والرّونق، والبهاء، حيث كانت جدرانه مغطّاة بالرُّخام المَوضُون المُطعّم بالذَّهب، وتحيط به التَّماثيل، والتُّحف النَّفيسة، والصُّور الغريبة، وكان يتوسّط القصر صهريج كبير من الزِّئبق، يذكّرنا بصهريج زئبق الملكة بلقيس بسبأ بأقاصي اليمن، وكانت تحيط بالقصر حدائق غنّاء تنتشر في جنباته العديد من المُجسّمات المصنوعة من العنبر، واللُّؤلؤ، وصور الطُّيور، والحيوانات المُطعّمة بالذَّهب الأحمر، والمُرصَّعة بالجواهر، والدّانات، والعقيان، وكانت هذه التَّماثيل تفور، وتقذف بشلاّلات من المياه البلورية إلى الحوض من فوهاتها، وميازيبها بألوان زاهية مختلفة، وكانت أبواب المدينة مصنوعة من العاج والأبنوس، ولقد تم توسيع مباني المدينة في عهد الحكَم الثاني ابن عبد الرحمن الثالث (961-976). وفي عام 1010 نهبت الزّهراء على إثر حرب أهلية اجتاحتها، وطفق الخبراء في التنقيب عن أطلالها وبقاياها عام 1910. وصف الادريسي مدينة الزّهراء بعد زيارته لها بالقول: «مدينة عظيمة مدرجة البنية، مدينة فوق مدينة، فكان الجزء الأعلى منها قصوراً يقصر الوصف عن صفاتها، والجزء الأوسط بساتين، وروضات، والجزء الثالث فيه الديار والجامع». عندما احتلّ القشتاليون قرطبة كانت ذكرى الزّهراء قد ضاعت، وتلاشت، وطُمِس اسمُها، وبقيت كذلك حتى تُرْجِم كتابُ نفح الطّيب للمقرّي إلى اللغة الانكليزية قبل حوالي قرن ونصف، فعرف الباحثون اسمَها وموقعَها وأوصَافَها.
الزّهراء تراث للإنسانية
قدّمت عمدة مدينة قرطبة إيسابيل أمبروسيو رفقة المستشار الثقافي للمجلس البلدي للمدينة ميغيل أنخيل باسكيث يوم 11 من سبتمبر (أيلول) الماضي الصورة الدّعائية والإعلامية التي ستتقدم بها قرطبة لدى يونيسكو العالمية لطلب ترشيح اعتماد هذه المعلمة التي تتميّز بجمالية معمارية فريدة من نوعها من بين المآثر، والمعالم، والقصور التي خلفها المسلمون في الأندلس لتصبح تراثاً إنسانياً معترَفاً به لدى المنظمة العالمية. ويؤكد الخبراء والمؤرّخون والكتّاب في طليعتهم الرّوائي والشّاعر الإسباني الذائع الصّيت أنطونيو غالا أنّ هذه المعلمة المعمارية التاريخة لم يعد لها وجود حقيقي اليوم كما كانت عليه في الواقع أيّام أوْجِها، وعزِّها وتألقِها سوى في مخيّلتنا وذاكرتنا.
وتهكّم أنطونيو غالا في إحدى محاضراته عن الأندلس (وهو القرطبيّ روحاً ونشأةً منذ التاسعة من عمره) مخاطباً الخبراءَ الإسبان عندما همّوا بترميم مدينة الزّهراء ساخراً: «كيف يمكنكم أن ترمّموا معلمة لم يكن لها نظير في مختلف بقاع وأصقاع الأندلس؟ كيف يمكنكم أن ترفعوا من جديد تلك الثماثيل والمُجسّمات الغاية في الدقّة والإتقان والرّوعة؟ كيف يمكنكم أن تعيدوا بناءَ تلك النافورات العديدة المرصُوصة التي كانت منتشرة في هذه المدينة السّاحرة؟ كيف ستجعلون المياه البلّورية الصّافية الزلاليّة التي كانت تتدفّق من فوهاتها بألوانٍ مختلفة كما كانت فيما مضى؟
وأشار المستشار الثقافي لبلدية قرطبة أن المجلس بصدد خلق لجنة تتألف من الخبراء، والمؤرخين، والنقابيين، ومن العديد من الجمعويين بالمدينة الذين لديهم الرّغبة في الإسهام لدعم هذا الترشيح لفائدة مدينتهم، ومن المُنتظر ان تقوم لجنة خاصّة من يونيسكو بزيارة ميدانية للزّهراء أواخر الشهر بخصوص هذا الموضوع، كما أن من المنتظر أن تعلن هذه المنظمة العالمية عن نتائج قرارها بعد حوالي عشرة شهور، ولقد انطلقت الحملات التعريفية بهذا الترشيح، وعمّا قريب سيتمّ إطلاق الإنارة الليلية لهذا الموقع الأركيولوجي الفريد الذي يحتلّ مكاناً بارزاً في تاريخ الأندلس، والأدب الأندلسي، والذاكرة المشتركة بين العرب والإسبان عن هذه الحضارة الزاهرة التي تألقت وازدهرت في شبه الجزيرة الإيبيرية على امتداد ما ينيف على ثمانية قرون. ويشير المستشار الثقافي الإسباني أنّ تدشين الإضاءة الليلية بمدينة الزهراء من شأنه أن يعطي لهذه الحملة زخماً وتعريفاً واسعيْن لما تتطلّع إليه مدينة قرطبة في هذا الصّدد لتحقيق هذه الغاية النبيلة.
مدينة العِطر والسِّحر
وبموازاة مع هذا المسعىَ، فأنّ الدّراسات، في إسبانيا وفي العالم الناطق باللغة الإسبانية قد تعدّدت في المدّة الأخيرة، كما صدرت غير قليل من الكتب عن قرطبة الغرّاء وعن تاريخها الحافل بالأمجاد الذي بوّأها في زمنٍ مّا من الأزمان الغابرة، أيّامَ عزّها وأوجها مكانةً مرموقةً كإحدى الحواضر الكبرى التي عرفت رقيّاً متميّزاً، وإزدهاراً هائلاً، وتقدّماً حضارياً فريداً في مختلف مناحي العِلم، والعِرفان، والبناء، والعُمران. تُرىَ ما سرّ هذا الاهتمام المتزايد لدى الإسبان وغير الإسبان بالإرث العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية، بما فيها هذه المدينة السّاحرة، وملحقاتها وفي طليعتها مدينة الزهراء التي لا تبعد عنها سوى بثمانية كيلومترات؟ ما هذه الردّة المفاجئة، والتكفير عن زمنٍ كئيب كان الإسبان والبرتغاليون ينكرون فيه ويتنكّرون لتاريخهم حيث أشعّت، وظهرت، وإزدهرت، وتألّقت، وسادت على أرضهم حضارة أندلسية عظمى أنارت دياجيَ الظلام في أوروبّا دهرئذٍ، إنه الإكتشاف الذي أصبح اليوم يأخذ في إسبانيا والبرتغال بمجامع قلوب الفئات المثقفة، والأوساط الواعية، وصفوة الدارسين، والمهتمين بالتاريخ الإسلامي في هذه الجزيرة المحروسة التي لا نتورّع من أن نطلق عليها اليوم متحسّرين اسمَ «الفردوس المفقود «!.
قرطبة مدينة العِطر، والسِّحر، والجمال، والظلال، والألوان، والأحلام، والجِنان الباسقة، والشّوارع الفسيحة، والأزقّة الضّيقة الناصعة البياض، والدروب الملتوية ذات الأرصفة الأرضّية المتراصّة، والشّرفات المشربّية العالية، أشهر الحواضر، وأكبر المعاقل العربية في شبه الجزيرة الإيبيرية على امتداد العصور والدهور.
جاء في كتاب «نفح الطّيب من غصن الأندلس الرّطيب» للمقرّي: «ومن أشهر مدن الأندلس مدينة قرطبة وبها الجامع المشهور، والقنطرة المعروفة بالجسر الأكبر، القائم على النهر الأعظم الذي لا يُعرف في الدنيا مثله». وقال عبد الله الحجاري في «المُسهب»: «كانت قرطبة في الدولة المروانية قبة الإسلام ومجتمع أعلام الأنام بها استقرّ سرير الخلافة المروانية وفيها استقرّت خلاصة القبائل المعدية واليمانية، كانت مركز الكرماء، ومعدن العلماء وهي من الأندلس بمنزلة الرّأس من الجسد، ونهرها من أحسن الأنهار مكتنف بديباج المُروج، مطرّز بالأزهار، تصدح في جنباته الأطيار وتنعر النواعير، ويبسم النوار، وبها الزاهرة، والزهراء حاضرتا المُلك، وأفقا النعماء والسراء وإن كان قد جنى عليها الزمان وغيّر بهجة أوجهها الحسان فتلك عادته وسل الخورنق، والسدير، وغمدان وقد أعذر بإنذاره إذ لم يزل ينادي بصروفه لا أمان لا أمان». وعنها يقول بعض علماء الأندلس مفتخراً بالمكانة المرموقة، ومتباهياً بالمنزلة السّامقة اللتين أدركتهما مدينته، ومشيداً بفضلها على باقي الحواضر والأمصار والمدن، والضِّيَع الأندلسية الأخرى أيام عزّها، وسؤددها، وإشعاعها، قال:
بأربعٍ فاقتِ الأمصارَ قرطبةٌ/ منهنّ قنطرةُ الوادي وَجَامعُها
هَاتَانِ ثِنْتَان والزّهراءُ ثالثةٌ/والعِلمُ أعظمُ شيءٍ وهو رابعُها
وقال عنها شاعر أندلسي آخر:
أقرطبة الغرّاء هل فيك مَطمعُ/وهل كبد حرّى لبينك تنقعُ؟
ويا حبّذا الزّهراء، بهجة منظر/ورقّة أنفاس وصحّة جوهر
زَهْرَة الأندلس
كانت هذه المدينة تحفل بالمكتبات، وأروقة العلم، وبيوت الحكمة، كانت تزيّن خزانة «الحَكم المُستنصر» بها (861-976 م) أزيد من أربعمئة ألف مخطوط. ويُحكىَ عن مدى اهتمام وعناية وشغف القرطبيين بالكتب، أنّه إذا أفلس موسيقيّ في قرطبة باع أدواته الموسيقية في غرناطة، وإذا أفلس عالم في غرناطة باع كتبَه ومخطوطاته في قرطبة! شوارعها، أزقتها الصّامتة، المتراصّة، المرصوفة بالحجارة الملساء تنبض بالحركة والحياة، كلّ ركن من أركانها يعانق التاريخ. صمتها يشيع السّكينة والطمأنينة في النفوس، ويبعث على الأملَ والتأملَ وإعمال النظر، نافوراتها التي تقذف المياه العذبة البلّورية الصّافية التي تـتـفجّر من الينابيع العتيقة، تنشر السعادة والحبور والرّذاذ المنعش في كلّ مكان، هذه المدينة السّاحرة عنها يقول شاعرُها القرطبي الكبير لْوِيسْ دِي غُونْغُورَا ( 1561 و 1627): آهٍ أيها الجدار الشّامخ/آهٍ أيتها الأبراج المتوّجة/بالشّرف والجلال والشّهامة/أيّها الوادي الكبير/إرث الأندلس العظيم/ذو الرّمال النبيلة/التي لم تعد ذهبيّة! أيّها السّهل الخِصب/أيتها الجبالُ الشّاهقة/التي جلّلتها السّماء/وأكسبها المساءُ لونَ الذّهب/آهٍ يا بلدي المجيد/بالأقلام والسّيوف /بين تلك المعالم والمآثر/التي يزيّنها نهر شَنِيلْ ويغسلها نهر الدَّارّو/ذاكرتك ليست غذائي/وعينايَ الغائرتان ليستا جديرتين/برؤية جمالكِ، وجداركِ، وأبراجكِ/وأنهاركِ، وسهولكِ، وجبالك/آهٍ يا بلدتي يا زهرةَ الأندلس.
الشاعر لْوِيسْ دِي غُونْغُورَا القرطبي المولد والمنشأ عندما يتحدّث عن الجدران الشّامخة، والأبراج السامقة بهذه المدينة، لابدّ أنه رآها بأمّ عينيْه فيها، إلّا أنه لم يعد لها وجود، ومن شأن ذلك أن يضاعف من فداحة الموقف عنده، ويزيد في مقدار شعوره بالألم، والحسرة، والمرارة. وهو عندما يتحدّث عن السّيوف لابدّ أنه كان يرمز ويفكّر في أبطال هذه المدينة ذات الرّوح والجسد الإسلامييْن، وعندما يتحدّث هذا الشاعر المَجيد عن الأقلام، فلابدّ أنه كان يفكر بعلماء هذه المدينة وشعرائها، وفقهائها، وحكمائها، وفلاسفتها، وأطبّائها، وفلكييّها، ومعمارييّها على اختلاف أجناسهم، وتباين أعراقهم، ومللهم، ونحلهم، وأصولهم، من عرب، وأمازيغ بدءاً بالعهد الإسلامي الزّاهر حتى العهد الرّوماني القديم للمدينة أيّ وصولاً – والحالة هذه – إلى فيلسوفها وحكيمها الكبير الشّهير Lucio Anneo Séneca سِنِيكَا المولود في قرطبة والمتوفّي بروما.
بيزنطة الغرب
كلّ شيء في هذه المدينة يذكّرنا بعصر الخلافة إبّان مجدها في القرن العاشر حيث كانت قرطبة تعتبر بيزنطة الغـرب في ذلك العصر، وحيث أجمع المؤرّخون أنّ اللغة العربية كانت في ذلك الوقت تعتبر بمثابة اللغة الإنكليزية في عصرنا الحاضر، ولا شكّ أنّ عظمة هذه المدينة تأتي من عِلمها، وعُلمائها، وشُعرائها، وفقهائها، وفلاسفتها، وبشكلٍ خاص من عظمة حلبة وباحة الدّرس فيها مسجدها الجامع الأعظم.
يقول ميشيل بوطور: «إن من سخف الأقدار أن يعمل الإنسان على إضفاء على هذا المسجد غير طابعه الحقيقي الإسلامي المحض، إنّ ذلك في نظره بمثابة إختراق رمحٍ أو خنجرٍ لقلبِ مؤمنٍ تقيٍّ، ورعٍ، نقيّ. إنّ الإضافات التي ألحقتْ بمسجد قرطبة الأعظم كانت من السّخف حتى أمست أضحوكة في أعين كلّ من زار هذه المعلمة المعمارية التاريخية الخالدة، فقد أقحم معبد أو كـــاتـــدرائية في قلــب المسجد التي تبدو وكأنّها غارقة في غابة من الأقواس، والأعمدة ذات الرّونق البديع التي شيّدت بأشكــال هندسية عجيبة تحيّر الناظرين، وتذهل الزّائرين وقد أصبح هذا المعبد-الكاتدرائية الدّخيل كَحَجْرة وقد رمي بها وسط غدير جميل فغطتها المياه! إنهّا تحول دون رؤية جمالية البناء، والاستمتاع بسحر المعمار وروعته وجلاله، ورقّته ودقّته، انها تبدو كفقاعة من ملل تفسد هيبةَ، وعبقريةَ وروعةَ المكان!».
عتاب الإمبراطور
إنّ الندم والتأسّف لابد أنّهما قد صاحبا العديد من سكّان المدينة من القرطبيين الأقحاح على امتداد التاريخ، كتّاباً، كانوا أو شعراء، أو فقهاء، أو مفكّرين، أو فلاسفة، أو مواطنين عاديّين، من جراء محاولات إفساد أجمل معلم حضاري في مدينتهم، بل أجمل المعالم والمآثر العُمرانية، والمِعمارية التي شيّدتها يد شريفة في التاريخ.
الملك الاسباني الإمبراطور كارلوس الخامس (1500-1558) هو الذي كان قد سمح من بعيد، ورخّص ببناء هذا المعبد- الكاتدرائية وسط المسجد الجامع الأعظم، ولكنّه عندما حضر إلى قرطبة وقام بزيارة المسجد لأوّل مرّة ورأى النتيجة، نتيجة الصّراع، استشاط غضباً، وتشنّج حنقاً، ولم يكن في وسعه إلّا أن يُعلن هـزيمةَ الحزب الذي ساند، وأيّد، سجّل له ذلك التاريخ في كلمات مأثورة، ومشهورة، ومؤثّرة فاه بها في هذا المقام عندما قال: «ويحكم ماذا فعلتم؟! والله لو كنت علمتُ بما كنتم تنوون القيامَ به لمَا سمِحتُ لكم بذلك، لأنّ الذي شيّدتم داخل هذا المسجد يُوجد في كل مكان، وأمّا الذي كان موجوداً هنا، فهو فريد، ووحيد لم تقع عيني عليه قطّ، وهو ليس له نظير في أيّ مكان.!
كانت المنظّمة العالمية يونيسكو قد أعلنت عام 1984أنّ هذا المسجد الجامع تراث ثقافي عالمي للإنسانية جمعاء، والحالة هذه، أليس حريّاً أن يعمل أرباب هذه الحضارة على أن يحظى ترشيح مدينة الزهراء لتصبح تراثاً عالمياً للإنسانية بدعمٍ عربيٍّ كذلك، فهذه المَعلمة المِعمارية الفريدة هي أولاً وأخيراً من بناء أجدادنا الميامين مثل سائر المعالم والمآثر الاندلسية الأخرى الخالدة!.
*المصدر : القدس العربي

1 2 3 4797
1