عاجل
  • مقديشو..الصومال : واشنطن تعلن مقتل 100 من مسلحي حركة الشباب في الصومال في غارةٍ جويةٍ شنتها طائراتٌ أمريكية!!
  • لبنان : وصول الحريري إلى بيروت بعد نحو ثلاثة أسابيع على استقالته من الرياض!!
  • لبنان : الشيخ نصرالله يبدي استعداد حزبه الانسحاب من العراق وينفي إرسال أسلحة إلى كل من اليمن والبحرين والكويت!!
الأربعاء 22 تشرين ثاني/نوفمبر 2017
كبش العيد لعبة الصغار ومورد رزق الكبار في المغرب!!
  01.09.2017

تحتل الأعياد مكانة كبيرة في نفوس المغاربة، فيسعون لاستقبالها كل عام بحسب قدراتهم المادية خاصة وأن عيد هذا العام يتزامن مع العودة المدرسية. ورغم كل الظروف تسعى العائلة المغربية إلى اقتناء أضحية العيد حرصا على ممارسة الطقوس والعادات الاجتماعية التي تلمّ شمل الأهالي والجيران وتبعث السعادة في نفوس الأطفال، لكن هذه المناسبة لا تخلو من الإفراط في الأكل وتجفيف اللحم وما له من مخاطر صحية قد تضر بالإنسان أكثر مما تفيده.
الرباط – من أكثر المناسبات فرحا للعائلات في المغرب شراء كبش عيد الأضحى، ولهذه المناسبة تستعد العائلات المغربية طوال العام وتقتصد في نفقاتها لكي توفر ثمن الكبش.
فيما تلجأ عائلات أخرى إلى الاقتراض لتوفير ثمن الكبش بالرغم من معرفتها بأنّ الأضحية في العيد لمن استطاع، لكنها تعرف أيضا أن أطفال العائلة لن يسعدوا في العيد إن لم يروا الكبش في حديقة المنزل أو في مكان ما من بلكون الشقة ليتباهوا به أمام أصدقائهم في الحي، فيبالغون في وصف قرنيه اللذين يمكن أن ينازل بهما أعتى الأكباش، بل إن الأطفال أحيانا يقصّون حكايات من خيالهم عن مناقب خروفهم.
ويقول حمو الدرعي (55 سنة)، يعمل في تجارة المواشي بسوق النهضة، “أسعار الماشية هذه السنة أقل بكثير من أسعارها في عيد الأضحى السنة الماضية، فقد بعنا هذا اليوم كبشا من نوع ‘البركي’ بـ2800 درهم (الدولار يساوي 9.25 درهم) وحتى بـ2500 درهم. كان سعر الكبش ‘الصردي’ الكبير يتراوح بين 3500 و4 آلاف درهم في السنة الماضية وسعره هذا العيد بين 2800 و3200 درهم. وكذلك كانت أسعار الأكباش المتوسطة من البركي، تتراوح بين الـ3 آلاف و3500 درهم في السنة الماضية لتتراوح أسعرها هذا العام بين الألفين و2250 درهما”.
ويضيف الدرعي “الأسعار انخفضت بنفس النسبة في بقية المواشي كالماعز والعجول.. السوق في النهضة قابل للانخفاض وبإمكان العائلة قليلة العدد أن تحصل على خروف صغير بـ1500 درهم فقط. إنَّه عام يبشّر بالخير”.
تتوطد العلاقة بين الأطفال وكبش العيد إلى حد لا يستطيعون فراقه، فتراهم يوم العيد يبكون على فراقه ومنهم من يستميت في الطلب من والده بأن يبقي له صديقه الخروف لأيام أخرى.
أم عمران (55 سنة) حكت لـ”العرب” حكاية طريفة عن علاقة عائلتها بالكبش الذي صار فردا من العائلة، فقالت “قبل خمسة شهور اشترينا خروفا صغيرا. في اعتقادنا أننا سنربيه إلى أن يأتي عيد الأضحى، إلا أن كوثر وسهام وزكريا أولادي تعلقوا كثيرا بهذا الخروف وصار شغلهم الشاغل، فهم يطعمونه ويلعبون معه طوال الفترة الماضية عند حديقة الوادي إلى أن صار من فرط تدليله من قبل البنتين والولد واحدا منهم، يجلس في أحضانهم ويطعمونه، ويمزق لهم دفاتر دروسهم، فيزيدون في تدليله ومحبته.
وحين حان الوقت لذبحه في العيد وأخبرناهم بهذه الحقيقة انقلب البيت بالبكاء والحزن على رفيقهم، ورفضوا أن نقترب من الكبش أو حتى نفكّر للحظة في ذبحه”.
وتضيف أم عمران “يقولون إنه صار واحدا منهم، فكيف نفعل به هذا؟ جارة لي كبيرة في السن حين رأت مقدار تعلق أولادي بالكبش نصحتني بأن أتركه لهم وأبحث عن جدي أو معزة لنضحي بها في هذا العام بدلا من الكبش المدلل؛ لكي لا يصاب أولادي بصدمة”.
وتقول راضية (40 سنة) إنها توجّهت إلى السوق برفقة ولديها هاني وعثمان لشراء كبش العيد من سوق الماشية. هاني هو أكثر خبرة مني في العثور على كبش مناسب لنا لهذا العيد، لذلك اصطحبه معي، أما عثمان فهو المكلف باصطحاب الكبش الذي نشتريه في عربته اليدوية إلى البيت”.
وتستطرد راضية “كل عيد أضحى موكول لنا هذا الدور. قبل سنوات كان يأتي معي عبدالحميد زوجي لكن مرض الروماتيزم منعه من المجيء معنا هذه السنة. فشراء كبش الأضحى يُفرح من يشتريه ويجعله سعيدا طوال تجواله في سوق الماشية وخصوصا عند اكتمال صفقة شراء الكبش، وأرى هذه الفرحة على وجهي ولديّ عثمان وهاني. فهما يعتقدان أنَ عليهما أن يكذبا على أصدقائهما، والادعاء بأنَّ عائلتهما اشترت الكبش في حالة عجزنا عن شرائه لضيق الموارد المالية”.
وأضافت مبتسمة “حين نشتري الكبش يتجول الولدان به في شوارع الحي ليراه الجيران جميعا، وكأنهما يعرضان للجميع شهادة حسن أحوالنا المالية! وأننا كبقية المسلمين سنضحي هذا العام ونفرح كالآخرين، وعيدنا هو كبش ضخم يملأ العيون بشحمه ولحمه”.
ومن حسن حظ العائلات الفقيرة بالمغرب هذا العام أن أسعار الخرفان انخفضت عن العام الماضي بمقدار 10 إلى 20 بالمئة في أسواق الماشية في الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة ومعظم المدن المغربية.
وبحسب نشرة أعدتها وزارة الفلاحة المغربية توقعت فيها انخفاض الأسعار بنسب مقاربة بسبب وفرة العرض لهذه السنة وثبات الطلب، فالمعروض يساوي 8.7 مليون رأس من الماشية (الأغنام والماعز والعجول والجمال) وحاجة السوق تصل إلى حدود 5.4 مليون رأس.
وقد تجاوزت نسبة الانخفاض في بعض المدن كالقنيطرة والجديدة وغيرهما من المدن 22 بالمئة عن العام الماضي.
أضحت الأضاحي ظاهرة استهلاكية خالصة، فبعض العائلات المغربية التي لا تستطيع توفير ثمن الخروف تجهد نفسها في الاقتراض لتوفير أضحية، كما أن فرط استهلاك اللحوم وتجميدها أو تجفيفها لاستعمالها في باقي الأيام أصبحت تغري العائلات المغربية.
الشيخ جلال وهو إمام مسجد (60 سنة) قال لـ”العرب” إن “الرسول صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أحدهما عن عائلته، والآخر عن المسلمين إلى يوم القيامة، ولكن الناس يظنون أنَّهم سيتعرضون إلى فقدان أحد أفراد الأسرة إن لم يضحوا في عيد الأضحى”.
وأكد الشيخ أن “التضحية لمن استطاع أما الذي لا يستطيع فليس لزاما عليه إرهاق نفسه ماديا. وهناك شروط للتضحية بأن يعطى للفقراء نصيبهم منها، ولكن الذي يحصل أن العيد يصير مناسبة لأكل اللحم وبإسراف، وحين تمتلئ الثلاجات باللحوم، فإنهم يعمدون إلى تقديده.
إذ تقوم النساء بنشر شرائح اللحم على الحبال لتجفيفها تحت الشمس لمدة عشرة أيام، وبعد ذلك يُتبّل ويحفظ لاستعماله في الشتاء خاصة، لكن القديد تسبب أيضا بسبب فساده بدخول العديد من الناس إلى المستشفيات وأدى إلى وفيات في بعض الأحيان”.
وأضاف الشيخ جلال “لدينا في كل بيت أكثر من ولد متزوج، لذلك تجد في البيت الواحد عدة أضاح. ولا يكتفون كما نص الشرع على عجل أو بقرة لكل سبعة أشخاص. صحيح أنَّ التضحية لله تعالى وهي من أحسن العبادات للتقرب منه، لكنها ليست واجبة على من لا يملك ثمنها.
وما يقوم به البعض من عمليات الاقتراض من البنوك لشراء الكبش هو من العادات الخاطئة التي تثقل كاهل الأسرة بالديون وتفرض عليها أن تتخلى عن حاجات ضرورية لأفرادها كالملابس والطعام الجيد والعلاج”.
نعمان العمري موظف (45 سنة) تحدث عن تجواله المستمر في أسواق الماشية قبل عيد الأضحى بعدة أيام، فهو يحرص، بحسب ما يذكر، “على شراء الكبش قبل العيد بيوم واحد فقط، ويفضل أن يكون وقت الشراء عصرا ليقلل الخسائر إلى أدنى حد”.
يحدثنا العمري عن هذه الخسائر فيقول “نعيش أنا وأمل زوجتي وابنتي سميرة في شقة صغيرة فيها غرفتان فقط. وفي الحقيقة لا يوجد مكان إضافي لإيواء الكبش، لذلك أحاول أن اشتريه قبل العيد بليلة واحدة لأودعه عند صاحب زريبة يستخدمها لإيواء المواشي قبل عيد الأضحى بعدة أيام، وعلي بالطبع أن أدفع له مالا عن كل ليلة يقضيها الكبش عنده”. ويضيف “لا أعرف كيف يتمكن سكان العمارات من إيواء أكباشهم لعدة أيام في شققهم قبل عيد الأضحى،ولا أعرف ماذا سيفعلون لإزالة رائحة صوف الكبش ومخلفاته.. ستكون شققهم جحيما عليهم”.
عديدة خلال أيام العيد وتنتهي مع نهاية هذه المناسبة، فيظهر الشنافة، وهم الوسطاء الذين يشترون الخرفان من الفلاحين لإعادة بيعها للزبائن بأسعار أعلى. فيما يستغل الشباب فرصة العيد لجمع بعض المال من خلال المهن الموسمية مثل بيع الشاي في أسواق الغنم، ومنهم من يبيع الفحم لشي اللحم، ومنهم من يشتغل في نقل الأضاحي من السوق إلى المنازل في عربات صغيرة وعلى الدرجات النارية.
وخلال أسبوع العيد يتاجر البعض في العلف، إذ ينتشر التبن في الأحياء الشعبية وتنشط حرفة شحذ السكاكين أيضا.
عبداللطيف حدو (20سنة)، يعمل جزارا وصاحب آلة متنقلة لشحذ السكاكين، يقول “يتمثل عملي خلال أيام العيد بالتنقل من منطقة إلى أخرى لكسب رزقي من شحذ السكاكين والفؤوس لتهيئتها لسيدات المنازل لتؤدي غرضها في تقطيع الأضحية وجعلها جاهزة للطبخ أو للشي”.
ويضيف حدو “أما في العصر فأتجول بسوق الماشية، وبما أنني صاحب خبرة ومعرفة بنوعية المواشي وأسعارها، فذلك يجعلني أقدم المساعدة لمن يمتلك خبرة قليلة في اختيار أضحيته.
وعندما تتم الصفقة ويشتري صاحب الأضحية كبشه يتفضل علي البائع بإكرامية مالية وكذلك المشتري. عيد الأضحى فرصة لجمع بعض المال لأساعد به والدي المقعد ووالدتي وإخوتي. كما أنه فرصة لنأكل أكبر كمية من اللحم، لكثرة المعارف والجيران الذين يعرفوننا، وهم في كل عيد يمنحونا الكثير من اللحم”.
ويقول حدو “في كل عيد يطلب مني بعض الناس الذين لا يجيدون ذبح المواشي أن أحضر صباح يوم العيد لأذبح لهم أضحياتهم، وأقوم بعد ذلك بتقطيعها لتصبح لحما جاهزا للمطبخ بمقابل مادي، فأنا جزار ماهر وقد تعلمت مهنة الجزارة عن صديق لوالدي، لكنني لم أطق العمل في محل ثابت كجزار”.
وذكر عبداللطيف أنهم في عيد الأضحى الماضي أخذوا بدورهم يوزعون كمية زائدة من اللحم على حاجتهم حصلوا عليها من عائلات تعرف أنَّهم لم يشتروا كبش العيد لشدة فقرهم، فما كان من هذه العائلة الفقيرة إلا أن جادت بدورها على الفقراء بما جاد به عليهم الأغنياء.
يوسف صديق (15 سنة) طالب ثانوية، قال عن عمله في عيد الأضحى “ظهر يوم عيد الأضحى نقوم أنا وأخي إلياس بحرق رؤوس الأكباش بعيدا عن الحي، بعد أن نحفر حفرة في الأرض ونضع فيها الأخشاب ونضع فوقها مشبكا معدنيا ثم نشعل النار”.
وأضاف صديق “تبعث لنا العائلات في الحي الذي نسكنه رؤوس المواشي لحرقها وإزالة صوفها وجعلها جاهزة للطبخ من قبل ربات البيوت. هذه المهمّة الموكولة لنا نؤديها بأجرة رمزية قدرها 25 درهما عن كل رأس كبش.
وفي كل عيد نقوم بتهيئة ما بين 50 و70 رأس كبش وتنظيفه، وهي فرصة لجمع مبلغ من المال ننفقه في مدن الألعاب أو نؤجر زورقا للنزهة في نهر أبورقراق مساء يوم العيد مع أصحابنا لنفرح بعيد الأضحى كغيرنا من الشباب”.
وبعد يوم العيد تنشط حركة بيع الجلود التي يكسب أصحابها مالا كثيرا بعد أن أصبحت العائلات تتخلص منها، فيجمعها هؤلاء من الأزقة والحواري دون مقابل لإعادة بيعها للمدابغ.
ويظل العيد مناسبة تسعد الأطفال فيما يستغلها الكبار للتسامح والتعاون في ما بين الأهل والجيران، والعيد أيضا مناسبة لتجدد العلاقات الاجتماعية وإحيائها.

1 2 3 4793
1