عاجل
  • دمشق..سوريا : 70 ألف عائلة محاصرة و40 ألف إعاقة.. ومأساة تنذر بكارثة إنسانية في ريف دمشق الشرقي!!
  • ستراسبورغ..فرنسا: صحيفة " تايمز" : البرلمان الأوروبي مرتع للتحرش بالنساء!!
الاثنين 23 تشرين أول/أكتوبر 2017
"الرايس شريفة" تونسية اختارت الحرية في عرض البحر!!
  14.04.2017

ينتظر مركب “تيريزا” الذي يرسو في ميناء سيدي بوسعيد يوميا “ريّسه” الذي يختلف عن بقية البحارة الموجودين في المكان، حيث اختارت السيدة شريفة النمري البحر مصدرا لرزقها لتمتهن عملا طالما كان حكرا على الذكور في بلد تزداد فيه الظروف الاقتصادية والاجتماعية صعوبة.
تونس- بين رجال أشداء يستقلون المراكب ويرمون الشباك ويقارعون الأمواج العاتية، تبحث “الرايس” شريفة النمري فجر كل يوم عن مكان لها في البحر بعزيمة كبيرة من على ظهر مركبها “تيريزا”.
شريفة امرأة تونسية ليست كباقي بنات جنسها، فهي تعمل بمهنة لطالما اقترنت بالرجال. وكسّرت “الرايس” كما يحلو للجميع مناداتها القاعدة باختيارها البحر موردا لرزقها.
وفي ميناء سيدي بوسعيد (20 كلم شمال شرق العاصمة) الذي يقصده السياح من كافة أنحاء العالم للتمتع بجماله واكتشاف زرقة وبياض المنطقة المحيطة به، تتولى شريفة عملية خياطة شباكها استعدادا لرحلة جديدة في عرض البحر بحثا عن رزقها.
ويتجاوز البحر في عين شريفة كونه مجرد مصدر للرزق وكسب المال، فهو يمثّل موطنا لها وعالما تلجأ إليه لساعات طويلة هربا من متاعب الحياة، فتقول وعيناها تنظران إلى بعيد “أحب هذا البحر كواحد من أولادي، لكني أخافه أيضا، فمن منا لا يخافه، هو صعب وخطير أكثر مما تتصور”.
ويتعاون الرجال في الميناء على تنظيف شباكهم من عوالق البحر، فيما تقوم “الرايس”شريفة بهذا العمل بمفردها. وعن سبب عزلتها وحرصها على بقائها بعيدة عن باقي الصيادين الرجال، توضح شريفة “الصيادون يحترمونني كثيرا. لكن المواضيع التي يتحدث فيها الرجال تهمهم وحدهم، لذا فهم يريدون أحيانا بعض الخصوصية”.
ولفتت إلى أن الصيادين في ميناء سيدي بوسعيد يتعاملون معها كأخت ويحترمون رغبتها في مزاولة هذه المهنة ويشجعونها على المواصلة. ويلقي البحارة، الذين يمرون من جانب “الرايس” وهي تنظف شباكها استعدادا لرحلة الصيد، التحيّة ويتمنون لها رزقا وفيرا، فيما يأتي بعض الشباب للاستفسار منها عن بعض أنواع السمك وكأنها الخبير الوحيد على الشاطئ، أو لاستعارة أدوات صيد وحبال.
وتواجه شريفة نظرة المجتمع التي تنتقص من المرأة التي تعمل في هذا المجال الذي يحتكره الرجال تقليديا بكل فخر، وتقول “أعتقد أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة عند شاطئ البحر تغيّرت خلال السنوات الأخيرة مع اتساع دائرة المشتغلات في عدة مجالات كانت حكرا على الذكور، لكنني في النهاية لا أعير أي اهتمام لنظرة الآخرين لأنني أعمل بقناعة تامة بهدف إعالة نفسي وأفراد أسرتي بدل التسول واللجوء إلى الآخرين”.
وتنحدر شريفة، البالغة من العمر 69 عاما والمولودة بمنطقة سيدي بوسعيد السياحية، من عائلة تمتهن الصيد البحري منذ عقود ويعرفها جميع البحارة الطاعنين في السن بالمنطقة.
عاشقة البحر
وتقول شريفة إنها توارثت مهنة الصيد “أبا عن جد”، حيث كان والدها وعمها وجدها يقتاتون من بيع ما يجود به البحر عليهم من أنواع السمك.
وأضافت “علمني والدي الصيد منذ صغري، وتدرجت في مراحله إلى أن صرت قادرة على قيادة المركب والإبحار بمفردي، وأصبحت أعرف الأماكن المسموح بها للصيد. أبدأ رحلتي منذ ساعات الصباح الأولى في غزل الشباك للصيد. وبعد أن أتأكد من سلامة المعدات أستعد للإبحار لأصطاد ما كتبه الله لي من رزق”.
وأوضحت أن سنة 1985 كانت نقطة التحول في حياتها. ففي تلك السنة توفي عمها تاركا لها مركب صيد يحمل اسم “تيريزا”. ومنذ ذلك التاريخ تتراوح حياة الخالة شريفة بين ساعات تمضيها على اليابسة وأخرى تقضيها مع “تيريزا” في عباب البحر. تلقي شباكها في المساء لتعود فجر اليوم التالي وتخرجها بما فيها من أسماك.
وأشارت “الرايس” شريفة، التي نالت نصيبا طيّبا من التعليم والخبرة العملية، إلى أنها درست في مدرسة الفتيات الابتدائية بسيدي بوسعيد ثم تحولت لتدرس اللغة الإنكليزية في معهد بورقيبة للغات الحية بالعاصمة تونس. كما عملت أربع سنوات جليسة أطفال في سفارة الولايات المتحدة الأميركية بتونس منذ عام 1967.
وأكدت شريفة أنه كان بوسعها، لو أرادت، أن تعمل موظفة في الحكومة أو في إحدى الشركات الخاصة، لكنها قالت بكل فخر “لو عرضوا عليّ راتبا يفوق دخلي بمئة مرة سأختار البحر”، وأضافت “تعودت على البحر لما فيه من لذة وحرية أحسد نفسي عليهما”.
وتزوجت “الرايس” سنة 1971 برجل لا علاقة له بالبحر لا من قريب ولا من بعيد، لكن عملها كبحارة لم يشكل أي عائق في طريق حياتها الزوجية ووظيفتها كأم وربة بيت.
ويقول زوجها جابر الرياحي إن “شريفة تحب البحر أكثر من أي شيء آخر في حياتها”، مشيرا إلى أنها “في اليوم الذي لا تنزل فيه للبحر تمرض”.
وفي حدود الساعة الثالثة صباحا تستفيق شريفة لتصلي ثم تجهز الفطور لأبنائها، ثم تتوجه إلى الميناء لتدخل مع الساعة الرابعة عرض البحر صحبة مركبها “تيريزا” لتجني ثمار مجهود بذلته مساء اليوم السابق.
وعن سر نجاحها في التوفيق بين عملها كبحارة وتربية أبنائها تروي شريفة حادثة جدت منذ سنوات لكنها لا تزال عالقة بذهنها “رافقني قبل سنوات أحد أبنائي للصيد وكان عمره 10 سنوات، وفجأة تعالت الأمواج، فكنت الأم التي تحتضن ابنها وتحميه، وفي الآن ذاته البحارة التي تتعامل مع بحر غاضب لتخرج ما يساعدها على كسب قوتها”.
وبعيدا عن عملها ومشقة الإبحار والبحث عن قوت اليوم، بالكاد تجد شريفة وقتا لمتابعة نشرات الأخبار وما يدور حولها في البلاد، لكنها تحرص على متابعة نشرة الأحوال الجوية والطقس باهتمام كل ليلة.
ومع هاية اليوم وفي حدود الخامسة والنصف مساء تصعد “الرايس” شريفة على ظهر “تيريزا” بعد أن تغيّر ملابسها وترتدي بزة واقية من البلل، استعدادا للانطلاق نحو البحر لترمي شباكها.
وبعد دقائق من ترك الميناء بدأت شريفة، وهي تتوسط “تيريزا”، تبتعد عن بقية القوارب الخشبية التي ترسو على حافة الشاطئ وهي تصغر شيئا فشيئا تاركة وراءها قصتها مع البحر.
وعلى أمل إعالة عائلتها وتربية أبنائها وتوفير كل مستلزماتهم تستمر شريفة في الخروج ليلا لرمي شباكها وتعود إليها فجرا، فتخط دون أن تعرف قصة كفاح غير عادي لامرأة تونسية استثنائية!!

1 2 3 4784
1