أحدث الأخبار
الخميس 04 حزيران/يونيو 2020
العراقيون يعدّلون صيامهم على إيقاع المسحراتي وكورونا!!
  22.05.2020

**يا نايم وحد الدايم
*حرم كورونا العراقيين من أجمل عاداتهم الرمضانية التي لم يتنازلوا عنها حتى في أحلك الظروف، إذ يتصور هؤلاء أن السهر مع لعبة المحيبس وشراء الحلويات في الليل أفضل مكافأة لهم بعد يوم شاق من الصيام، كما أن الصلاة خلال رمضان لا تحلو إلا في المساجد، لكن فايروس كورونا يؤجل الأجواء الرمضانية هذه السنة للحفاظ على صحة العراقيين.
بغداد - يضرب المسحراتي سيد مزاحم على طبلته فجراً في بغداد التي يقطنها عشرة ملايين شخص، والتي تعيش في شهر رمضان على وقع رفع آذان الإمساك من جهة، ومن جهة أخرى يدعو مكبّر صوت الدفاع المدني إلى التزام المنازل للوقاية من وباء كورونا.
قبيل ساعات من تكبيرات الفجر التي تعلن بدء الصيام، يعلو صوت مزاحم من خلال مكبّر صوت في حي صغير من بغداد القديمة.
على غرار أبيه وأخيه من قبله، يقوم هذا المسحراتي البالغ من العمر 45 عاماً بإيقاظ الصائمين لتناول وجبتهم الأخيرة قبل شروق الشمس، مناديا، “يا نايم وحّد الدايم”، كما يفعل كل سنة، لكن هذه السنة يضيف إلى دعائه “أن يبعد عنا رمضان فايروس كورونا”.
وعدّل العراقيون روتينهم الرمضاني ليتلاءم مع حظر التجوال المفروض في بغداد من الخامسة مساء حتى الخامسة فجرا، وهي الأوقات التي تعج فيها بغداد عادة بالصائمين بعد الإفطار حيث يزورون محال الحلويات أو يقيمون الصلوات في المساجد.
ومع الحجر فقد العراقيون أبرز عادة تشكل هوية شهر رمضان، وهي التبضع قبل الإفطار؛ تقول زكية حمدي (55 عاما)، وهي ربة منزل، “فقدنا عادات جميلة في شهر رمضان الحالي، لم أكن أتوقع يوما أن أكتفي بيوم واحد في الأسبوع للذهاب إلى السوق خوفا من عدوى كورونا”.
وأضافت حمدي أن “غالبية النساء يستمتعن بالتسوق بشكل يومي قبل الإفطار، أما الآن فهذه العادة أصبحت ملغاة، الجميع خائف من الإصابة بالفايروس وخصوصا كبار السن، لذلك أوكلت مهمة التسوق لدى الكثير من العائلات إلى صغار السن والأصحاء”.
و تكتظ الحواجز الأمنية بالعراقيين قبيل بدء حظر التجوال، ليصل كل إلى منزله فيصلّي ويتناول الإفطار ويخبز الحلويات، محجورا.
بعد أن ينهى المسحراتي مزاحم نداء السحور منتهكاً فعلياً حظر التجوال الليلي، تشرق الشمس على ثاني أكبر العواصم العربية من حيث عدد السكان.
ومع حلول الظهر، تلهب حرارة الشمس شوارع المدينة، مرغمة رجال شرطة المرور على البحث عن بقعة ظل. بعدها يرفع المؤذن أذان صلاة الظهر، داعياً الناس إلى أداء الصلاة في بيوتهم.
هنا يأتي دور الإطفائي موسى البديري الذي يجول مرتين في اليوم بحافلة على ظهرها مكبر صوت لحض الناس على التزام الحجر المنزلي وتجنب التجمعات وغسل أيديهم بانتظام.
اللعبة التي تجمع الأطياف العراقيةاللعبة التي تجمع الأطياف العراقية
تبدو حنجرته جافة، وقد تشققت شفتاه، لكن البديري الملتزم دينيًّا يمتنع رغم ذلك عن شرب المياه خلال النهار في رمضان بغداد شديدة الحرّ.
يقول، “مع انتشار فايروس كورونا، تضاعف عملنا. بات لدينا المزيد من حملات التطهير وبث الإرشادات الرسمية من خلال مكبرات الصوت على سيارات الدفاع المدني، وفي مركزنا”.
عصرا، يباشر مرتضى (22 عاما) عمله على دراجته النارية، مخترقا حركة المرور التي عادة ما تكون كثيفة خلال هذا الوقت ويحرص مرتضى، عامل التوصيل، على نقل وجبات الطعام إلى زبائن المطعم الذي يعمل فيه قبل دخول حظر التجوال حيز التنفيذ عند الساعة الخامسة مساء.وأغلقت السلطات المطاعم منذ نحو شهرين بشكل كامل، لكنها خففت الإجراءات مؤخرا مع السماح لها باستقبال الطلبات المنزلية فقط.
مرتضى لا يسلّم أكثر من ست طلبات يومياً، وهو عدد أقل من ربع ما كان يسلمه خلال شهر رمضان في العام الماضي.
مع الغروب، تمتد الظلال في بغداد إلى مرقد وحضرة عبدالقادر الجيلاني، أبرز الشخصيات الصوفية والفقهاء الحنبليين.
وللمرة الأولى في حياته، يرى الشيخ يلماز يوسف البالغ من العمر 70 عاماً الضريح والمسجد الملحق فارغين.
يقول يوسف، “منذ السبعينات حتى يومنا هذا، لم أر أبداً باب مرقد الشيخ عبدالقادر مغلقاً. عندما فعلت ذلك بكيت”.
ومع الغسق يتردد مجدداً صوت أذان صلاة المغرب الرابعة قبل العشاء لدى المسلمين، متبوعاً بالدعوة إلى الإفطار والصلاة في المنزل.
يقول ياسين الجبوري (62 عاما)، الذي يسكن في منطقة الفضل في بغداد، إنه منذ صغره لم تمنعه الظروف التي مرت بها البلاد من الذهاب إلى المسجد عقب الإفطار، لأداء الصلوات وقراءة القرآن، لكنه أجبر في رمضان الحالي على القيام بذلك في المنزل.
وأضاف الجبوري “لم أتخلف عن الصلاة في المسجد خلال شهر رمضان إلا هذا العام بسبب جائحة كورونا، وهذا شيء مؤسف جدا”، متابعا، “كان على الحكومة ألا تغلق المساجد بشكل نهائي، هناك حلول، منها إلزام الجميع بشروط السلامة، وهذا كان ممكنا، فالجميع لديهم وعي بخطورة المرض”.
ويضطر العراقيون اليوم إلى الالتزام بإفطار متواضع في البيوت، ويتذكرون تجمعات السنوات السابقة مع الأقارب والأصدقاء والجيران.
وبدلا من التنزه في الشوارع المضاءة بزينة شهر الصوم أو التسلية بلعبة المحيبس الشهيرة في البلاد، يقضون ليلهم وهم يلعبون الورق أو يشاهدون التلفزيون.
تقول جميلة الكعبي (40 عاما)، “للمرة الأولى نضطر إلى التخلي طواعية عن عادات وتقاليد لطالما رافقتنا خلال شهر الصيام، منها تجمع العائلة والأقارب بعد الإفطار وإقامة الولائم وموائد الإفطار الرمضانية”.
وأوضحت الكعبي (ربة منزل) “قررنا عدم استقبال أي زائر سواء من الأصدقاء أو من الأقارب خوفا من العدوى، خصوصا في رمضان حيث كنا نلتقي بشكل يومي سواء (قبيل أذان المغرب) للإفطار معا أو بعد الإفطار”.
تدابير مكافحة كورونا أوقفت أيضا لعبة المحيبس، وهي مسابقة شعبية تنظم خلال فترة ما بعد الإفطار في رمضان، ويعتقد أنها تعود إلى العصر العباسي بين القرنين الثامن والثالث عشر ميلاديّا.
وقال محسن البيضاني، أحد منظمي اللعبة، إنه “بسبب حظر التجوال والخوف من تفشي كورونا، قررنا إلغاء تنظيم لعبة المحيبس (إخفاء الخواتم) هذا العام، على أمل أن ننظمها العام المقبل”. وأوضح البيضاني، أن المسابقة كانت من أكثر الألعاب الشعبية التي تمارس بعد الإفطار في رمضان، ويشارك فيها المئات وتخلق أجواء من الود بين مختلف طبقات المجتمع العراقي.
وخلال البرامج الإخبارية المسائية، تعلن القنوات العراقية عن أعداد المصابين بفايروس كورونا التي صارت ترتفع بشكل أسرع في الأيام الأخيرة، ما اضطر السلطات إلى إعادة فرض الحظر الشامل خلال عيد الفطر.ينتهي الليل، ويعود صوت الطبلة ليدوي مجدداً في الشوارع المظلمة، ويعيد المسحراتي دعوة المسلمين إلى آخر وجباتهم قبل الصيام، فيعيد روتين بغداد الجديد تكرار نفسه… في انتظار عيد الفطر.

1 2 3 4957
1