أحدث الأخبار
الأربعاء 17 تموز/يوليو 2019
في تونس.. راعية تغنّي فتُسمع العالم!!
10.02.2019

بلباسها التقليدي المعروف بـ "الملية" تتقدّم الخالة مباركة (88 سنة) فرقة "رعاة جبل سمّامة" تخالها أخطأت الطريق بين هؤلاء الشباب والأطفال والكهول المنتسبين للفرقة، ولكن ما إن تصدح بـ "الصالحي" تدرك أنها محور الحكاية وإيقاعها الذي يسير على وقعه هذه المجموعة.حصن للذاكرة الشعبية على مقربة من جبل سمّامة تتشبّث قرية الوسّاعية من محافظة القصرين وسط غربي تونس بسفح هذا الرّاسي الممتدّ إلى سلسلة جبال الأطلس الصحراوية، نقطة جغرافية صغيرة تختزل ثقافة الحياة المنبعثة من حناجر الرعاة داخل المركز الثقافي بسمّامة.هذا المركز أو "الثكنة الثقافية" كما يحلو لمنتسبيها تسميتها انطلقت من بادرة ابن المنطقة عدنان الهلالي الذي وهب قطعة من أرضه لتشييده، وتمويل من مؤسسة رامبورغ للفن والثقافة بتونس تجاوز النصف مليون دولار ليكون حصنا ثقافيا يحفظ الذاكرة الشعبية للمنطقة من وحشي "الإرهاب" والتهميش.تتذكر خالتي مباركة بداياتها مع فرقة الرعاة، لم يكن بالأمر البديهي بالنسبة لها تجاوز حدود قرية الوسّاعية، وهي المرأة البدوية التي شبّت وشابت على تقاليد تقيّد نوعا ما من ظهورها على الملأ الغريب عن محيطها العائلي، رغم ما تحفظه ذاكرتها من مخزون فني أصيل لمنطقة سمّامة وجوارها.وليس من السهل أيضا تصوّر الشجاعة التي تتحلّى بها امرأة تنحدر من تلك المنطقة، وفي سنّها لحمل سلاح الفن والرقص لمقاومة الهجمات التي تضرب بين الفينة والأخرى سكّان قرى محافظة القصرين وصعوبة التوجّه إلى مركز ثقافي ربما يعدّ في نظر البعض منبعا للكفر والفسق والفجور.وتحفظ الأنماط الفنية للغرب التونسي من "الصالحي" و"الركروكي" ذات الأصول البربرية والتي حملها الهطّاية (تسمية محلّية للبدو الرحّل) في حلّهم وترحالهم بين الغرب التونسي والشرق الجزائري منذ أوائل القرن الماضي، والتي تصف الحياة والمراعي وشظف العيش ومقارعة المستعمر آنذاك.على وقع إيقاع القصبة والطبل لا تتردّد من مشاركة الرعاة رقصة "الحجّالي" التي يعتبرها مختصون في مركز الموسيقى العربية والمتوسطية وجمعيات الرقص من التراث التونسي غير المادي المهدّد بالنسيان والاندثار. وتحفظ خالتي مباركة برقصها تعبير أجدادها وسلفها عن الفرح واللحمة والصمود.سفيرة تجوب العالمبابتسامة المرأة الريفية البسيطة بساطة محيطها تحاول تذكّر أسماء دول زارتهم ضمن سلسلة عروض "وقت الجبال تغنّي"، من شاناك وليون الفرنسيتين إلى تور ناي وليسين البلجيكيتين ودول أوروبية ومغاربية أخرى احتضنت رعاة ومقتلعي الحلفاء تقودهم خالتي مباركة نحو حوارات في الإنسانية.واستطاعت رفقة هذا الفريق وبفضل إرادة وتأطير الفنان عدنان الهلالي كسر الحواجز الجغرافية والاجتماعية التي تعاني منها محافظة القصرين عامة وقرية الوسّاعية خاصة لتكون خير سفير على المستويين الوطني والعالمي لتراث الوسط الغربي التونسي حاملة لرسالة حياة وسلام.ويروي العرض صمود رعاة جبل سمامة في وجه النسيان والتهميش المتواصل منذ استقلال البلاد، ومقارعة الإرهاب الدخيل على القرى المسالمة، وهو رسالة حب وصمود من تونس الأعماق إلى العالم، بحسب الهلالي، رسالة مزجت بين أصالة الغناء ولمسات تحديثية أضفيت على رقصات الرعاة.
وتقول خالتي مباركة في هذا السياق "نحن باقون ما بقي الإكليل والزعتر في الجبل" في إشارة منها إلى عراقة الجذور التي ينتمي إليها الرعاة الفنّانون الضاربة في أعماق المنطقة، تعبير بلهجة ريفية جميلة تميّز أهالي الغرب التونسي.وخلال العرض تتوسط خالتي مباركة فرقة الرعاة، وهي الحلقة التي تربط الأجيال على المسرح الذي شهد تجسيد ملاحم السكّان الأصليين للغرب التونسي ضدّ الطبيعة القاسية والدخلاء من مستعمرين، وفي جلستها محاكاة وفية لحلقة متماسكة من أجيال رعاة الجبل وعقد لن ينفرط رغم الظروف.وتعيش خالتي مباركة في السنوات الأخيرة نمطا حياتيا مفعما بالحركة والسفر رغم تقدّمها في العمر، ورغم أنها لا تحفظ جدول أعمال ولا تعرف محطّتها القادمة، غير أنها تحفظ تراث أجدادها ومنطقتها.وما يلفت الحاضرين للعرض هو حزمة إكليل التي لا تفارق يديها، هذا الإكليل يلهم أهلها الصمود والبقاء، ويجعلها امرأة تغني فيشتاق لها الجبل.*بدر الدين الوهيبي-تونس..المصدر : الجزيرة

1 2 3 4842

1